مقالات

“نيتشه” فيلسوف العنصرية الأكبر

محمد الحميدي

لم يحظ فيلسوف خلال القرنين الأخيرين، باهتمام ومتابعة واقتباس من أقواله واستشهاد بآرائه وأفكاره، مثلما حصل مع “نيتشه” فيلسوف إرادة القوة وصاحب كتاب “هكذا تكلم زرادشت” الذي خلص إلى موت الإله وميلاد إله بديل هو الإنسان.

   الموت يطال إله الأديان والفرق والمذاهب وكل ما يوصف بالغيبي والخارق واللا محدود، وهي صفات تنطبق على إله الديانات الإبراهيمية اليهودية والمسيحية والإسلام، أما كيفية موته فقد شهد أحداثها أحد الرهبان المخلصين للتعاليم المسيحية.

   بفعل القتل الذي ختم به نيتشه كتابه؛ احتاج لولادة بطل للبشرية يعطيها أملاً في مستقبل أيامها، عوض أن يتركها عرضة لتقلبات الأقدار والصدف، فنشأت فكرة الإنسان الأعلى أو السوبرمان أو الإنسان المتفوق، وهي ترجمات متعددة للهدف الذي أراد الوصول إليه.

   لم يكتفِ بذلك، بل أصبح مبشراً بقدومه، وأنه سيكون المخلِّص للبشرية من أوجاعها وآلامها ومآزقها، وستنتشر أفكاره بين الناس، لتسود وتغدو دينا جديدا لا يختلف حوله اثنان، وفي خضم تبشيره بالبطل العالمي المتفوق أنحى باللائمة على الضعف البشري، مؤكداً على أن الأمراض والعاهات التي تصيب الجسد والعقل ينبغي التخلص منها.

   هنا نشأت فكرة أخرى هي فكرة التخلي عن الضعفاء والمرضى ونبذهم بعيداً أو قتلهم والتخلص منهم، فبرزت لديه نزعة عنصرية تجاه العجائز والنساء والمصابين بالأمراض وطالب بالقضاء عليهم؛ من أجل أن لا تتأخر البشرية وتعود إلى الوراء.

   كل هذه الأفكار لاقت رواجا لدى علماء الفلسفة الألمان، الذين تلقفوها بالنقد تارة وبالتمجيد أخرى؛ حيث انقسموا إلى فريقين مؤيد ومعارض، وهو ما تسبب في انتشار الأفكار حول العالم وتأثيرها في الكثيرين، ومن الذين تأثروا بها القائد النازي “هتلر” الذي مجّد إرادة القوة كما يصفها نيتشه في كتابته وقام بتطبيقها على أرض الواقع.

   عمل هتلر على بناء جيش قوي يؤمن بالعنصرية والتفوق الآري على بقية الشعوب والأجناس، وأن المستقبل لهم وسوف يسودون العالم بينما البقية خدم وعبيد، ولأجل الوصول إلى ذلك بدأ بحجز المرضى والمقعدين، بل ذهب إلى ما هو أبعد؛ حيث تخلص منهم بشكل تدريجي لئلا يثقلوا كاهل الحركة الجديدة ويعيقوا استمراريتها.

   “مارتن هايدجر” أحد الفلاسفة الكبار، ساند هتلر أو هكذا بدا للعيان؛ حيث تسلم منصبا وزاريا خلال عهده وأخذ في اضطهاد اليهود والتضييق عليهم وطردهم من الجامعات والوظائف باعتبارهم جنساً لا يرقى إلى الجنس الآري، ثم انتهى الحال بهؤلاء اليهود سيئي الحظ إلى الوقوع أسرى لدى الجنود الألمان أثناء الحرب العالمية الثانية، وتمت تصفيتهم في معسكرات الاعتقال مثل أوشفيتز.

   قُتل ما يقارب السبعين مليون إنسان في الحرب التي بدأها هتلر وانتحر نهايتها؛ لئلا يقع بيد الأعداء، وذهبت أحداثها ووقائعها إلى التاريخ كوثائق وشواهد على عنصرية البشر، إذ لا فرق بين المتعلم والجاهل أو بين الفيلسوف والقائد، فالداء استشرى وما من علاج فعَّال.

   تلقفت هوليوود فكرة البطل الخارق أو الإنسان المتفوق والأعلى وأنتجت أفلامها الشهيرة مثل “السوبرمان”، وربطت بينه وبين تفوق العرق الأبيض وسيادته على الأرض، ساعدها على ذلك قوة الولايات المتحدة وصعودها لتكون القطب الأوحد خلال الفترة الممتدة من 1991 عام سقوط الاتحاد السوفياتي، وإلى اليوم.

   انتشرت أفكار العنصرية واستشرت بين الناس بدفع من الأفلام التي أنتجتها هوليوود وامتد تأثيرها إلى أعماق اللا وعي، حيث أصبح العرق الأبيض هو المتفوق وما عداه تابع وجاهل، ينبغي الأخذ بيده ومساعدته للوصول إلى الديموقراطية، ونمط العيش حسب الطريقة الأمريكية.

   هنا أيضا حدث تحول كبير في عقول المثقفين؛ حيث تم تأكيد المركزية الأوروبية الأمريكية وأنها الأفضل والأقوى والأرسخ إنسانياً واجتماعياً وحقوقياً وثقافياً، وهي العبارات التي راجت خلال العقود القليلة الماضية في كتابات أدبائها ومفكريها، ولا زالت، ويمكن رؤيتها تنتقل ويُروّج لها بين الثقافات المختلفة خارجها.

   جناية نيتشه على العقل الإنساني لا تغتفر من هذه الناحية، فالأفكار التي طرحها أنتجت وحوشاً عنصرية لا تنظر إلا لنفسها ولطائفتها وعرقها، وهو ما يمكن ملاحظته اليوم في الكثير من البقاع، وإن بأشكال مخففة أحياناً، هكذا ارتبط اسمه بالعنصرية وصار مرادفا لها وتفوق على الفلاسفة قبله مثل أفلاطون الذي مارسها تجاه النساء والشعراء، ولم يمارسها تجاه أجناس وقطاعات كبيرة من البشر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق