مقالات

المعتصم البوسعيدي.. وموعد مع رواية الصيرة تحكي

الكتاب: الصَّيرة.. تَحْكِي
الكاتب: د. سعيد بن محمد السيابي
التصنيف: رواية
الطبعة: الأولى (٢٠٢٠م)
دار النشر: مؤسسة لبان للنشر
عدد الصفحات: ١٩٥ صفحة

روايةٌ تستنطقُ المكان؛ ليحكي عن ذاكَ الزمان وعن هذا الزمان؛ فهنا زرقة بحر، وتربة أودية، وقسوة صخر، وهنا الإنسان البسيط الطيب الهادئ، وهنا الإنسان الشرير مُرتكب المآسي، وهنا العدو القاسي، وهنا ابن البلد الوطني الراقي، وهنا قريات عُمان وهناك لشبونة البرتغال، وبينهما تدور حياة.

تتزاحم في الرواية القضايا الإنسانية والوجدانية والتاريخية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية وغيرها؛ فيفتح الدكتور سعيد السيابي نوافذ فكره بقلم المؤرخ تارة والأديب تارة أخرى، ويمزج بين خياله الأخاذ وواقعه الحقيقي، ولا يكتفي السيابي بمقعده الأثير وهو يتناول أحداث روايته؛ بل يتنقل بين قرى قريات، وينثر تأمله من الصيرة، ويحزم حقيبة سفره إلى أوروبا، هناك حيث ينكب بطل روايته بين أرفف المكتبات باحثًا عن الوثائق والمعلومات.

الرواية غنية بالمعرفة؛ إذ تستند على الوثائق وتتحدث بلغة الأرقام، كما إنها تتجلى في سردها الفني عبر الشخوص والعادات والتقاليد، علاوة على الصراع الحضاري والثقافي دون عصبية عاطفية، ونجح الكاتب بمهارته وخلفيته المسرحية والدرامية في تحريك الشخصيات بسلالسة وترابط مثير، حتى عندما يجد القارئ نفسه – أحيانًا – خارج نطاق الرواية، يظهر له الخيط الذي يعيده إليها دون مطب قرائي.

لم يحصر السيابي روايته في المقاومة المسلحة المعروفة، إنما ركز على المقاومة الإنسانية والبعد النفسي، وأظهر نبل العلاقة في التعاطي مع أحداث الأمس، كما أنه طرح فكرة الجدل على أكثر من صعيد: بين الطالب والمعلم، بين التاريخ والحاضر، بين الفائز والخاسر، وجسد انتصار القيم، ليس لأن المعتدي غريب دار أو المعتدى عليه صاحب دار؛ ولكن لأن الأخلاق تسمو فتزرع يقين النصر ولو بعد دهر!

في الصيرة حكايات، وقصص وروايات، ووثائق تؤكد صدق اللحظات. في الصيرة فلسفة التعلم وعاطفة التعامل، وانتصار الحوار. في الصيرة عُمان حجر يترقرق بالحب والأمان، لم تستطع “ليزا” أن تقاوم سحره إلا بعناق، كما أنه صخر صلد لا يمكن اختراقه، لم يستطع الغزاة أن يطفئوا بريقه، فطردهم بنوره الحق، ولقنهم درس الحرب والسلام.

من الرواية “بدأت خوض مرحلة جديدة من التحدي، والوعي والإدراك الضروريين” ومنها “وملئت نفوسهم فخارًا بالميتة المشرفة، التي نالها هؤلاء الرجال الأفذاذ، والمكانة التي تحصلوها عند الله” وفيها “أخبره بعد رحيلي، أننا تركناهم أحياء إلى الآن كي يتحدثوا عن أرضنا، ويخبروا غيرهم عن جبالنا، وشعبنا الذي لا محالة سيقهرهم إن تمادوا في الجلوس بيننا” ومعها “احتضنتني بقوة، ورأيت دمعة صدق في عينيها: شكرًا صديقي العُماني، وقبل أن تغادر يدها يدي طلبت منها أن لا تفعلها معي في قريات حينما تزورها”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق