مقالات

في بيت التراث بفنجاء حيث المساء برائحة الزعتر

حمود بن سالم السيابي

تمرُّ فنجاء على الخاطر فأستفّ زخات الأمس والدرب القديم وسيارات “العريبيا المغرزة” في الوادي وخروس الهريس التي تشعل الليل لتشارك العابرين إسكات جوع وضجر المشاوير.
وتأخذني فنجاء إلى زمن الجنود الذين كانوا هنا يغلقون المنفذ الوحيد إلى الضفة الغربية للوادي ويبثون بكشافاتهم الرعب في السيارات المُطَوَّقَة بأسئلة الاتهام لمخالفات لم ترتكب ، ويتفحصون حمولة مستوفية الاشتراطات وتحتاج لتنزيل الحمولة الكثير من العناء والجهد والوقت لتتراص من جديد فوق بعضها ، ويدققون في قوائم المتنقلين بين الجغرافيا والجغرافيا في بلد الخنجر والسيفين.
هذه فنجاء إذن التي أطل على واديها هذا المساء الشتوي صحبة الأعزاء من عائلة دار لبان بقيادة أبيها وشيخها الروائي الكبير محمد بن سيف الرحبي لنحضر مغيب الشمس من شرفة بيت التراث.
سابقتُ وإبني مازن ما تبقى من ضوء لنصل قبل أن تغطس الشمس وراء الجبال فنحضر موسيقى المساء مع الأصدقاء.

كان سيف بن ناصر الرواحي المصور الضوئي والكاتب الجغرافي المعروف ومالك منتجع بيت التراث في انتظارنا لنسافر معه في حكاية تحديه مع الصخر وتطويعه الجبل ليتشظى سكيكا وغرفا ومجالس ومدرجات.
نمشي ونمشي ونمشي في مكان كان بالأمس موحشا ومظلما فرقَّقَتْهُ عزائم الرجال التي تفل الحجر في مبادرات تستحق الالتفات من الجهات المعنية لهؤلاء الذين ينثرون الجمال بإمكاناتهم المحدودة ، ويوظفون حصائد أسفارهم في بناء إطلالات للوطن الجميل.
أخذنا مضيفنا إلى شرفة في المنتجع وقد تطرَّف موقعها ليقترب من الماء.
أنها جلسة كالحلم ، ولعلنا لو مددنا أيادينا من الشرفة للعبنا الحواليس مع حجارة الوادي.
كانت اللحظة لا تتكرر وشمس فنجاء تغطس رويدا رويدا وراء جبال “حاميم” قبل الأوان ، ليستيقظ الزعتر مع برودة المساء.
والضفادع التي نسيناها في عزلتنا المسقطية لسنين ما تزال وفية لخرير الماء.
نزلنا من الشرفة باتجاه الوادي وقبالتنا نخيل “طوي منصور” تسبِّح مع أذانات المغرب فتوضأنا من الماء الذي خاضته السيارات زمن الضفاف المدرعة بالنقاط الأمنية ، وعدنا للشرفة المتطرفة نتعكز في مشينا لنصلي.
وعلى هدى الخطوات التي تسبقنا سلكنا الدرب صعودا ومعنا الساقية المتضاحكة بالماء فاعتلينا مدرجات المنتجع لآخر رفٍّ اتكأ على كهف غائر في بقايا الجبل ، بينما حطب السمر المشتعل يعيدنا لليالي البرد فافترشنا الحصباء لنعاقر كؤوس الشاي الأحمر ومرارة فناجين السيلانية الصفراء.
ثم تحلقنا على مائدة مضيفنا بعد أن عبرنا السلالم السابحة في لجج الضوء وصوت الماء المتسكب من الروازن المتقعرة في نتوءات الجبل.
وكان حظي أن جلست بين الشاعر الكبير الدكتور سيف الرمضاني والروائي الكبير محمد بن سيف الرحبي لتبدأ مواسم “سرور” الثقافية.
وجلس قبالتنا الروائي الدكتور سعيد بن محمد السيابي ومعه الصيرة التي تجدد الحكاية كمفخرة من مفاخر دار لبان في ٢٠٢٠ م.
وفي زاوية أخرى يمدُّ الشاعر الكبير عبدالرزاق الربيعي الظل البنفسجي إلى نخيل العراق وشناشيل البصرة وشوق الحدباء وثلوج دهوك ورايات أقمار بني هاشم ومعه ابني مازن يتناقشان في مرثية أبكى فيها الربيعي شواهد وادي السلام وحجارة النجف وكربلاء.
وجلس بالجوار الأديب الناقد الدكتور ناصر بن حمود الحسني المتخصص في أدب محمد بن سيف الرحبي وصاحب العديد من الإصدارات.
وكان عطر الجلسة وكل الجلسات هو المصور الكبير المبدع عبدالله العبري الذي جعل من أغلفة مجلة التكوبن لوحات خالدة ، وشكلت كل التقاطة له قصيدة وكل مشهد رواية ، لنغلق دائرة الجلسة بالأستاذ ماجد بن سيف الرحبي دينامو دار لبان.

لقد سجى الليل والتثاؤب يحفزنا لنسلم إطارات السيارات لدرب العودة ، فودعنا المصور سيف بن ناصر الرواحي والأصدقاء لتحضر فنجاء القديمة من جديد ومعها درب القوافل إلى عقبة “بْوَهْ وشاذون” ودرب السيارات التي “تغرز “في الماء بين الضفتين ، ودربنا الموصول بالأصدقاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق