السياحي

التسوّل … حضاريا

 

ما زالت ترن في أذني موسيقى ذلك الرجل الأشيب الغامض الذي كان يعزف أصفى الألحان وأرقاها، على الرصيف البحري لمدينة(إيست ساسكس) البريطانية. هذه الأنغام العميقة ما زالت تتسلل إلى قلبي من مساءات الماضي البعيد، منذ عام 1983م، وهو أول عام بدأت فيه مشوار دراستي في بريطانيا

حسن المطروشي 

المشهد كان جديدا ومختلفا جدا بالنسبة لفتى خليجي قادم من مجتمع عماني في بدايات النهضة. كنت أتساءل ما الذي يفعله هذا المعتوه الذي يعزف في طريق المارة، وقد طرح قبعته السوداء أمامه، بينما كان العابرون يضعون فيها ما تيسر من القروش البسيطة ثم ينصرفون، دون حتى أن ينظروا إليه في أحيان كثيرة، كعادة الانجليز في عدم التحديق في الآخرين، لاسيما إذا كان الأمر مبعث إحراج أو مثيرا للمشاعر.
بعد حين اكتشفت أن العازف الأشيب لم يكن سوى متسول بسيط، ولكن دون أن يسأل الناس إلحافا. وإنما كان متعففا يمارس الفن ويقدم للناس شيئا محببا وبأسلوب حضاري، يحصل مقابله على ما تجود به نفوسهم في تمام الرضى. إنه يشيع بموسيقاه البهجة والجمال في أرجاء المكان، ويترك لدى من يراه صورة عميقة بديعة لا تغادر الذاكرة. إن المجتمع لم يكن ينظر للرجل على أنه شحاذ أو متسول، وإنما فنان ماهر يحرك بأوتاره القلوب ويسحر السامعين، وهو متفضل لمن يعطيه أو لا يعطيه مقابلا.
وحين انفتحت أمامي أبواب المدن في بلاد الله الواسعة اكتشفت معها المزيد من الصور البديعة من التسول في صيغته المهذبة والمبهجة أحيانا. تماما مثل صورة المتسول الهندي البسيط الذي يقضي جادة يومه بالقرب من إشارات المرور برفقة أحد أقربائه أو رفاق مهنته، يقوم أحدهم بالنقر على طبلة هندية تقليدية، وهما يقفان أمام أبواب العربات لدى توقفها عند إشارات المرور، حيث يقوم أحدهم بقرع الطبل بينما يقوم الآخر بأداء الرقصات المضحكة التي لا تخلو من البراعة وخفة الأداء.
المتسولان الفنانان البارعان يعرفان جيدا متى يضيء اللون الأحمر ومتى يسطع الأخضر إيذانا بانطلاق حركة السير، لذلك فهما يحرصان على إنهاء الوصلة الفنية قبل إضاءة اللون الأخضر، فيقفان مبتسمين أمام باب المركبة التي يعزفان لها، ولكن دون أن يمدا أيديهما أو يطلبا شيئا. وبالتالي لا يجد ركاب العربة إلا أن يقدموا لهما العطاء مع الابتسامة، ذلك لأنهما رسما الابتسامة على شفاه المارة، وتركا لدى الزائرين لمدينتهم ذكرى جميلة لا تفارق المخيلة.
ليس أقل دهشة من هذين الهنديين البارعين ذلك المتسول اللطيف الذي يجلس على رصيف البحيرة الفسيحة في قلب مدينة زيوريخ السويسرية، مرتديا أزياءه التنكرية التي تجعل الناظر يظن للوهلة الأولى أنه تمثال للزينة، إلا أن المفارقة تحدث حينما تقترب النساء من التمثال الساكن، إذ يقف إجلالا للإناث ويمد يده إلى فتحة في أعلى الصدر من ثيابه، مقابل القلب، فينتزع منها قلبا اصطناعيا ويقدمه للنساء الجميلات ثم ينحني احتراما لهن!
هذه القصص وأمثالها الكثير التي تثور في الذهن كلما استحضر المرء تجارب التسول وأشكاله وحكاياته وصوره في المجتمعات الغربية، التي تجعل من المتسول شخصا مساهما في إشاعة البهجة ونشر الجمال في المكان.
أما في مجتمعاتنا العربية فإن التسول يعد من أقبح الممارسات، وهو في أدبياتنا الثقافية والدينية سلوك مذموم يصل إلى حد التجريم والوعيد بالعقوبات الدنيوية والأخروية، خلافا لما يروجه المتسولون لضحاياهم بأن لهم الثواب الجزيل من الله نظير البذل والعطاء وسد حاجة المحتاج وإغاثة الملهوف.
ويسلك المتسولون لدينا طرقا وأساليب لا تمت إلى السلوك الحضاري بأي صلة، بل إنها تأخذ أشكالا مقززة أحيانا، تصل إلى درجة الاحتيال والابتزاز، وتتوسل في ذلك أساليب الاستعطاف والترجي والإلحاح الممجوج، وغير ذلك من الممارسات المزعجة والمنفرة. ولا ضير والحالة تلك أن تتوسع مساحات لغتنا العربية لتمنح للتسول العديد من المسميات، وفقا لنوع التسول وطريقته وذلك مثل: «الاستجداء»، و«التكفّف»، و «التلمّس»، و «التسَقّط»، و «الشحاذة»!
ورغم ما تكتظ به الذاكرة في هذا الجانب من القصص التي لا يتسع المجال لسردها هنا، إلا أن أبشع أشكال التسول هو ما يتعرض له المسلم في رحاب الحرمين الشريفين، حين يذهب لأداء مناسك الحج أو العمرة، حيث يسعى الكثير من محترفي التسول وتجاره وعصاباته لاستعطاف المسلمين واستثارة مشاعرهم الدينية، فيلجؤون إلى مختلف الأساليب لابتزازهم ونهب أموالهم، رغم ما تبذله الجهات المعنية من قبل الحكومة السعودية في هذا الشأن. ولا يكاد يخلو حاج أو معتمر من التعرض لهذه المواقف، حتى باتت الحديث الأبرز للعائدين من الديار المقدسة. ولا أنكر أنني حمدت الله في نفسي أن دخول هذه الأماكن مقصور على المسلمين فقط!
في إحدى العواصم العربية شاهدت فتاة في ريعان الشباب، تجلس في إحدى الساحات العامة عارية كما ولدتها أمها. وكان بجوارها صبي قد تجاوز العاشرة من العمر، يردد عبارة المتسولين الشهيرة (لله يا محسنين). وكأنه يطلب من المارة التصدق بما يستر عورة الفتاة ويسد رمقهما!
في المدينة ذاتها لاحقني مرة رجل مريض بهيئة مقززة مرعبة، إذ كان سقيما يعاني من مرض عضال في جهازه التنفسي، مما جعل الأطباء يفتحون له فتحة في ثغره ويدخلون عبرها أنبوبا لمرور الهواء إلى الرئتين. كان ذلك الرجل يتجول في السوق بشكله المرعب وهيئته الرثة القذرة، ويتعقب المارة في الطريق حتى يعطوه المال!
أما في باريس، مدينة الجمال والموضة والعطور، فقد آلمني مشهد المتسولات العربيات المسنات، يفترشن أرصفة الشوارع محتضنات أطفالهن في حجورهن، وهن يمددن الكفوف والنظرات المنكسرة استعطافا للمارة، على الطريقة العربية.
أما الفتيات الجميلات وغير المسنات من العربيات فإن الكثير منهن قد انخطرن في أسواق الدعارة والحياة الليلية، فقد صدَّر «الربيع العربي» الأعداد الهائلة من فتيات الليل لأوروبا، حيث يجدن الملاذ الآمن بعيدا عن الصراعات السياسية والعسكرية والمتشددين الدينيين، وحيث يذهب أثرياء العرب لقضاء العطلات وإبرام الصفقات التجارية وغيرها.
من أطرف ما أتذكر من أنواع التسول لدينا في عمان قصة أحد المحتالين الأذكياء، يلبس ثياب رجل الدين ويتنقل في المساجد أيام الجمعات، حيث يقوم بعد صلاة الجمعة ويلقي على الحضور خطبة عصماء يحث فيها على الصدقة والبذل والعطف على المساكين والمحتاجين، وما أعده الله للمنفقين من الخير الكثير في الآخرة والبركة في الدنيا. ولا يدع في ذلك آية ولا حديثا ولا أثرا ولا قولا إلا وساقه في خطبته البليغة. وبعد الانتهاء من موعظته العصماء يفصح عن حاجته ويدعو الناس للتبرع له والتصدق عليه. وأذكر مرة أنه كان يورد حديثا نبويا فقال في تخريج الحديث: «رواه الإمام أحمد الشافعي»!، إذ تبين أن الخطيب لا يعرف الفرق بين الإمام أحمد بن حنبل وبين الإمام محمد بن إدريس الشافعي (رحمهما الله)، إلا أن المفارقة الأدهى أنه لم يتنبه له أيٌّ من الحضور البلهاء؟؟؟.
الجهات المعنية بهذه الظاهرة في المجتمعات العربية تكتفي بمعالجتها قانونيا أو وعظيا في أحيان أخرى، واعتبار هذه الممارسات مسيئة لصورة الأوطان. في حين أن الأمر أكثر تعقيدا من ذلك ويتوجب معالجة تأخذ بعين الاعتبار تثقيف الناس وتوجيههم لاكتشاف قدراتهم، والاستفادة من قدراتهم على نحو كريم يحترم إنسانيتهم ويوفر لهم الدخل الكريم، في الوقت الذي يسهمون في تقديم أشياء جميلة قد تكون مهمّشة.
ولا يفهم من ذلك أننا ندعو لفتح أبواب التسول، فهذا أمر مرفوض، ولكننا ندعو إلى تعليم هؤلاء الأفراد وإرشادهم إلى أن لديهم مهارات جميلة ويمتلكون مواهب يمكنهم من خلالها تقديم أشياء محببة لدى الناس، وتؤمن لهم مصادر دخل جيدة، دون اللجوء إلى الأساليب الملتوية وغير الحضارية في الحصول على المال.

نشرت المادة في العدد السادس من المجلة…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق