الثقافي

مصطلح «الحرمة» .. بين السائد والقيمة

حسن المطروشي
يشيع في ثقافتنا العامة استخدام كلمة (حرمة) ونطلقها باختصار على المرأة دون غضاضة أو تحرج سواء من الرجال أو النساء، لأن ما يجرح مشاعر المرأة يعتبر بالضرورة مسيئا للرجل في مجتمعنا. إلا أن هذه الكلمة أصبحت تواجه رفضا كبيرا لدى أغلب المثقفين، بل إنها في بعض المجتمعات باتت تواجه رفضا واسعا من قبل عامة الناس.
هذا الرفض الحدي الحاسم لهذه المفردة أتذكره في موقفين مختلفين مع مثقفتين عربيتين. الأولى كانت في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، حيث أخذتْ إحدى المثقفات تتحدث عن هذه الكلمة وكأنها سبب شؤم المرأة في وطننا العربي. كان الحوار قد بدأ وقت المغرب في محطة للقطار، ثم امتد حتى وقت متأخر!
أما الموقف الثاني فقد حدث في مهرجان شعري في إحدى الدول العربية، حيث أصرت إحدى الشاعرات على أنها ليست من (الحريم) أو (النسوان) وإنما هي من (الستّات)!
 أعتقد أن الرفض لمفهوم (الحرمة) يثور قويا حين نربطه بسياقات تاريخية محددة، كما هو الحال في دور الحريم في قصور السلاطين إبان الحقبة العثمانية، حيث تصور الكثير من أدبيات تلك الحقبة السلطان أو الحاكم العثماني وهو يعيش لياليه الشهريارية الباذخة بين محظياته وجواريه الحسان.
وأعتقد أن الخطأ يكمن في وقوعنا أسرى لمثل هذه التصورات التي تدفعنا عاطفيا إلى الموقف الرافض دون البحث في مضامين أخرى لهذه المفردة وفق سياقات اجتماعية وتاريخية أخرى. 
تذكر الأميرة جويدان في مذكراتها حول (الحريم عند سلاطين آل عثمان) ما يلي: (وعندما يتولى السلطان تسير حريمه لاحتلال السراي وطرد حريم السلطان الميت إلى سراي قديم). وتضيف جويدان في مذكراتها: (.. فرئيسة حريم مراد الثالث كان تحت حراستها أربعون محظية ومائة طفل وخمسمائة جارية).
المخرج التركي فرزان أوزبتيك في فيلمه (الحريم) الذي تقوم ببطولته الممثلة الفرنسية ميرى جيليان، يعرض رؤية مغايرة لذلك يوضحها قائلا: (لقد كان قسم الحريم في الدولة العثمانية بمثابة مدرسة، لأن تعليم وتدريب فتاة على أن تكون مقرّبة من السلطان ليس بالأمر السهل، خاصة وأن المسألة لم تكن تنحصر في جمال أو ذكاء هذه المرأة، بل كان الأهم من كل هذا أن تكون لديها قدرة على الحوار والكلام وإقناع السلطان).
أما تعامل مجتمعنا مع لفظة «الحرمة» فينطلق من ثوابت دينية واضحة، تجعل المرأة عِرْضا في مقام المقدس، وقد وضحت ذلك كتب اللغة. جاء في لسان العرب: (والحُرْمة: ما لا يحلُّ انتهاكهُ، والذمَّة، والمهابة، والنصيب، وما وجب القيام به من حقوق الله تعالى وحَرُم التفريط فيهِ. وحُرمة الرجل: حُرَمهُ وأهلهُ ج حُرَم وحُرَمات). وفي قاموس المحيط: (الحُرْمَةُ: ما لا يحلّ انتهاكُه من عهد أو أمان أو كفالة أو حق أو نحو ذلك؛ (حُرْمَةُ مالِه كحُرْمةِ دَمِهِ). (المرأَةُ: حَرَمُ الرجل وأهله). 
إننا لسنا بصدد تأييد فكرة ضد أخرى، ولكننا نود في الختام أن نوضح أن الموضوع يطرح في كثير في أدبياتنا المعاصرة بصورة سطحية بعيدا عن البحث العلمي مما يجعل هذه الأدبيات تقع تحت تأثير العواطف المجردة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق