النصوص

 من مذكرات العاشق الصغير

ماجد بن محمد بن ناصر الوهيبي

 

 

كان يرقب قدومها كل صباح، تمشي بين تلك الأزقة وهي ترتدي فستانها الجميل ذو اللونين الأبيض والأسود وكان يرمقها من بعيد، ويغازلها بصمت بينه وبين نفسه، كان ذلك في مقتبل الصبا، حيث إنهما لم يتجاوزا العقد الأول من العمر بعد، فهل كان حُبًا طفوليًا عابرًا؟ أم كان إعجابًا يفضي للغرام؟ إنها لحظات الحُب منذ الوهلة الأُولى ! وعجبًا للحب كيف يصنع!

كثيرًا ما كان يقصد تلك الأمكنة، التي كانت ترتادها لاسيما المتاجر التي تبيع الحلويات وسائر المواد الغذائية التي يعشقها الأطفال كالبطاطس والعصائر أو المشروبات الغازية، كما كان يتردد على الباعة المتجولين،لعله يحظى بلقاء يطفئ لهيب الشوق الذي ألم بهذا العاشق الصغير، الذي تعرف قلبه على الحُب باكرًا، فطبعت ملامح تلك الصَبية الصغيرة في وجدانه، فلم يستطع نسيانها فهو يتذكر وجهها الجميل، وشعرها الناعم ذا اللون الأسود القاتم، ويتذكر الصباح الباسم، لأنه رآها لأول مرة في وقت الصباح وكأن فستانها يحكي قصة تعاقب الليل والنهار بلونيه الأسود والأبيض، وقد مضى الليل وأتاه الصبح بوجهها الأنور، وقد بدى جحوظ عينيها جليًا مما أضفى عليها جمالًا أخاذًا لاسيما في قلبه الصغير، فسبحان من أبدع وصور، وأما البياض فهي كالفلة البيضاء أو كقطعة من المرمر ولها عبق من عطر العنبر، فمن كان يصدق أن هناك عشاقًا صغارًا يتقنون فن العشق وصدق المشاعر، من كان يظن أن بعض العشاق منذ الصغر يستطيعون الكتابة والتعبير، ومحاكاة الأشعار وتدوين الخواطر، إنه الهيام الباكر ربما قبل الأوان، وإنه العشق الثائر من رحم المكان>

نشأ هذا العاشق الصغير في تلك المدينة، وقد حباه الله بالعديد من المواهب منذ صغره فبرع في مواهب عدة، وقد أغدق عليه والداه بحظ وافر من الحنان، كما ساعده المحيط الذي يحيط به على بروز الكثير من الجوانب المشرقة في حياته، كان يؤمن بالحب الصادق آنذاك منذ ما يزيدُ على أربعة عقود، وقد أصبح الحب الصادق في هذا الوقت الذي نكتب فيه هذه الأسطر من العملات النادرة، فقد كثر النصب والاحتيال والابتزاز والمصالح لأجل قضاء الأوطار من الشهوات العابرة ولم يعد للحب أي مكان إلا من تمسك بمبادئه وهم قليل>

إن من يعشق بصدق يرفض في قرارة نفسه إلحاق الأذى بمعشوقه لينال منه ما يريد ثم يتركه فريسة النسيان، لتتمكن من افتراسه بعد ذلك الذئاب الجائعة والكلاب الضالة، كما حدث في كثير من القصص المؤلمة في هذا الزمان بل وما هو أقبح لتستمر مأساة الضحايا، وبالتالي تُكمل هذه الضحايا مشوارها في طريق الضياع، ولم يكن للعاشق الصغير أي ميل بالتفكير في الخيانة فضلًا عن الشروع بها، ولم تحدثه نفسه بها أصلًا ليكبر وتكبر معه آماله، فللعشاق آفاق ولهم نزوات ورغبات قد لا يفصحون بها لأي أحد، وحسبنا هذا ويكفي ما ينال العاشق من الشرود ونحول الجسد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. لابد للعاشق أن يتزوج بمن عشق وأحب فلا يتبع النظرة بعد النظرة فالأولى له والثانية عليه وليكن أمله سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون ذلك العشق تحول إلى رحمة وسكينة فما هناك عشق بل مودة ورحمة وسكينة وقربى ونسب وما أعظمها بمعان إذا توافرت تلك في الرجل والمرأة والصبي والصبية والشيخ والشيخة جمّع الله بين الحبيبين دنيا وآخرة في الجنة إن شاء الله تعالى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق