النصوص

كمامة منسية

زهرة اليحمدية

أخيرا أصِلُ إلى المكتب المقصود، الذي أظن أن نهاية معاملتي ستكون من خلاله، بعدما تجولتُ بين ست إلى سبع مكاتب و كل موظف يرسلني للمكتب الآخر، و ربما للطابق الآخر من المؤسسة، أطرق الباب الموارب أمامي فيأتيني صوت أنثوي فاتن: “نعم.. تفضل”، أدخل فإذا بها موظفة أنيقة نسيت ارتداء كِمامَتِها، أو لعلها تتناساها لئلا تختفي ابتسامتها اللطيفة، أُحَدّثُ نفسي بارتياح: “ختامها مسك”،

مثلُها يُفترض أن تضع كمامتها لكثرة المراجعين، الذين يدخلون و يخرجون من مكتبها، لكن.. لا يهم، من يهتم أن يخفي نصف هذه الراحة الربانية، ليبقى نصفٌ فقط؟ أظن أن ابتسامتها كافيةٌ لطرد الفيروسات أياً كانت، و شافيةٌ لأي مرض أو عناء، أجلس في الكرسي المقابل لطاولتها، أضع مستنداتي _المنهكة من كثرة الأيادي التي تجولت بينها _أمامها، بينما أختلس النظر لأصابعها و هي تُقلبُ أوراقي، أحاول أن أكون مهذبا و غيرَ متلصصٍ، فأتشاغل بالنظر إلى التحف الجميلة والصغيرة جدا التي تصطف على طرف طاولتها، أسمعها تهمهم:” معاملتك مكتملة تقريبا” ثم تقف “لكن سأتأكد من مدير القسم” و بِخُطىً سريعة أخذت الأوراق و خرجت، بينما كُنتُ مسلوب الفكر بعطرها الذي انتشر في الأرجاء و أنا أراقب خطواتها العجلى، لا حاجة للعَجَلة أيتها الجميلة، أستطيع الانتظار بالساعات و أنتِ أمامي، امتدت يدي _و أنا أنتظرها _ إلى التحف المصطفة بانتظام، فتعثرت إحداها بأصابعي حين سمعتُ خطواتها تقترب من الباب، كان صوت كسرها أقوى من رائحة عطر الموظفة التي دخلت و رأت ربكتي و أنا أحاول الاعتذار، لم تتغير ابتسامتها، “لا بأس، ليست شيئًا مُهماً”، شعرتُ بالإحراج، تبا للصورة الأولى التي طبعتها في ذاكرتها، هذا إذا كانت هناك فرصةٌ أصلا لصورة أخرى،

“أمورك تمام، تستطيع مراجعتي لإتمام ما تبقى، غداً صباحاً قبل الساعة التاسعة، لأني سأكون مشغولةً بعدها”

بدت عضلات وجهي كلها تبتسم و أنا أسمعها تقول راجعني غداً، إذن هناك فرصةٌ لصورةٍ مهذبة لي أستطيع أن أُخَلّدَها في ذاكرتها، طبعا إن سمَحَت هي لها بالخلود، و بحركةٍ عفويةٍ سحبتُ كِمامتي إلى ذقني و أنا أقول لها مبتسما بامتنان” شكرا لكِ، سأكون هنا قبل التاسعة “.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق