مقالات

‏سلسلة قصة نجاح (١)..سعاد الجردانية

عمر بن خلفان الجرداني

نقفُ اليوم أمام نموذجٍ من نجاحات المرأة العمانية التى كان لها دورٌ فعالٌ وما زال في تنمية الوطن وتربية الأجيال وأمام شخصية تستحقُّ منا كل التقدير.
فتاريخ المرأة العمانية متجذرٌ في أرض هذا الوطن المعطاء منهن من كان لها دورٌ مؤثرٌ وإسهامات مميزة في الجوانب السياسية والعلمية والتربوية لولا بطولاتها وتضحياتها لما صارت بلادنا في فترة من الفترات إمبراطورية يشار إليها بالبنان ويحسب لها ألف حساب.

إن هذا الوطن يحتوي من الرصيد الثقافي ما يؤهله أن يكون في مصاف الأمم فهو غزير بصور مشرقة وقصص خالدة دونت بأقلام الباحثين وسطرت بتضحيات الشهداء وبقيت مصابيحًا تضيئ للأجيال، منهن على سبيل المثال لا الحصر الشعثاء بنت الإمام جابر بن زيد، وهند بنت المهلب بن أبي صفرة،
والعالمة الربانية الضريرة عائشة الريامية التى كانت مرجعًا لزمانها، والسيدة موزة بنت أحمد، والشمساء الخليلية، وغثنى بنت علي الفرقانية التى كان لها دورٌ في تدوين كتب الشيخ نور الدين السالمي، وحسينة بنت راشد بن حميد بن راشد الحبسية أختُ العالِمَيْنِ الفاضلين أبِي جَبـَل وأبِي سَهـْل عبدالله بن راشد الحبسي ؛ تلميذَيِ النور السالِميّ كانت مفتية لنساء عصرها واشتهرت بالحزم ولها هيبة، وموزة بنت ناصر الغافرية امرأة فاضلة اعتنت بطلب العلم واقتناء كتب الأدب، وأصيلة بنت قيس بن عزان البوسعيدية أخت الإمام الرضي الشهيد عزان بن قيس البوسعيدي رحمه الله وغيرهن الكثير الكثير وهذا غيض من فيض وإلا فالمقال سيطول.

وقد وصفهن شيخنا الجليل أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله وقال : {قد كان لهن دورٌ متميزٌ في المحافظة على قيم الدين، والجهاد لإعلاء كلمة الحق، ومواجهة تحديات العصور بعزائم الإيمان وهمم عالية، لا يَجِدُ أمامها الدهر إلا أن يُطأطِئ هامة كبريائه، ولكن التاريخ كعادته لم ينصف رجال هذه الطائفة ولا نساءها، فأرخى سدوله الكثيفة على مآثرهم الحسنة، وطمر تحت أنقاضه المتراكمة أمجادًا لهم تطول شوامخ الجبال).

ولنرجع إلى صلب موضوعنا وإلى شخصية مقالنا فمن شخصيتها نتعلم أن الصبرَ والإصرار على ما نسعى إليه هو السبب الرئيسي للوصول إلى أهدافنا والنجاح الذي نرتجيه، ومن أصعب الخطوات التى تقف عائقاً أمام رحلة النجاح هي المطبات الأولى وهي المدخل الرئيسي للدخول إلى معترك هذه الحياة ومهما شحت الإمكانيات إلا إن الإصرار على ما نريده هو السبيل الأمثل من بعد توفيق الله لنا، فكل بداية لابد لها نهاية، فلا يفتت الصخرة الصماء سوى تلك القطرات البسيطة المتساقطة عليها والمواقف الصعبة التى هي بمثابة صقل لمواهبنا وإظهار لمعادننا النفيسة ولولا حرارة النار لما صار للذهب لمعان ولولا المواقف الصعبة لما تعلمنا من الحياة.

ونحن اليوم نقف أمام شخصية وأسطورة تستحق في نظرنا أن تكتب سيرتها و قصتها بماء الذهب وليعرف عنها جيل اليوم والأجيال اللاحقة لأننا عاصرنا ولامسنا نجاحها وهي الفاضلة المثابرة (سعاد بنت خلفان بن سعيد بن علي الجردانية) حيث إنها بدأت مشوار نجاحها من الصفر فقد كانت لا تعرف القراءة ولا الكتابة، وهي في بداية سن الخمسين وسبب عدم تعلمها في تلك الفترة يعودُ إلى عدم توفر المدارس وخاصة للنساء، وإن تحدثنا عن سيرتها وطيبتها ونقاء سريرتها وقمة أخلاقها سنبخسُ من حقها الكثير لأنه لا يوجد تعبير حتى ندوّن سيرتها فسيرتها أعظم من أن تُدوّن في هذه السطور البسيطة.

من خلال مشوار حياتها نستشف ونتعلم ما هو المعنى الحقيقي للنجاح والمعنى الأسمى للمجاهدة والمثابرة فقد نجحت في الوصول إلى مبتغاها وإلى ما سعت إليه ولا توجد متعة مثل متعة الوصول إلى نقطة الهدف أو القمة أو النجاح رغم انشغالها في القيام بأعمال البيت وإدارته وتربية الأولاد وغيرها من الالتزامات الأخرى لم تتكاسل قيد إنملة في السعي نحو التعلم أو تقف عند أيِّ عائقٍ مرّت به أو الأعذار التي يتعذر بها أهل الرمم.

كان حقًا علينا أن نفتخر بها ونجعلها مثالًا لقصص النجاح فكما أسلفنا سابقًا فهي لم تلقَ نصيبها أو حقها من التعليم وأن أكثر ما كان يُؤَرق فكرها وهمها الأول والأخير هو قراءة كتاب الله العزيز وتعلمه وحفظه فقد قررت وعلى كبر سنها أن تسجل في مدارس التعليم (محو الأمية) بدأت وتعلمت القراءة والكتابة بلا كلل ولا ملل إلى أن أتقنت القرءاة بعد مشقة ومشوار طويل من الجهد والاجتهاد استمر لمدة سنتين وتخلل هذا الجهد صعوبة الكتابة وتهجي الحروف وتعلم مخارجها إلى أن وفقها الله ووصلت وصعدت الى سلم النجاح، وبدأت بحفظ السور القصيرة ثم حفظت جزئي عم وتبارك وحفظت سورة البقرة وآل عمران وكثير من سور القرآن الكريم وهدفها الأسمى هو أن تتشرف بحفظ كتاب الله كاملًا، وقد شاركت وسجلت مع كثير من معلمات القرآن الكريم ودخلت دورات من أجل أن تُنمِّي مواهبها أكثر فأكثر وفعلًا وصلت إلى ما قصدت إليه..

وتم تكريمها من الجهات الحكومية ومن الجمعيات وما زالت إلى هذه اللحظة تخطو خطواتها المباركة ومن نجاح إلى نجاح.
وهذا فعلًا النموذج الحقيقي للمرأة العمانية التى لا بد أن نفتخر به والتى حقًا ووجب على المجتمع أن يكرمهم، ونتعلم من سيرة هذه السيدة الفاضلة إن العلم والتعلم لا يقتصر على سنٍّ معين وإنما هو يستسيغ لكل مَن أراد أن يتسلق سُلَّم التفوق و النجاح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق