الثقافي

“صلّوم” 

عهود الزيدي

براءة تنغرس في كل معلم من معآلم طفولتنا المشاغبة، حيث كان يولد نهار، ويتلوه آخر جديد، وصغار العائلة في اجتماع دائم، لنبدأ رحلة البحث عن “صلوم”، تلك البذرة الجافة المتبقّية بعد أن نأكل ثمرة النبق، نهزّ السدرة فتتساقط عليها نبقا جنيّا، فتقرّ أعيننا، فنأكل ثم نبدأ لعبتنا، في تلك الكرة الخشبية، بتراكيبها وألوانها، وتلك التجاعيد التي تضفي جمالية على ظهر تلك الكرة، حجمها كثلث عقلة الأصبع وربما أصغر أحيانا، تضم بداخلها ما نبحث عنه طوال اليوم.

نقضي نهارنا منتشرين في فناء البيت “العود”، نتسابق لنجمع أكبر قدر من “الصلاليم”، نبحث في كل شبر من أديمنا، المحاط بمزرعة كبيرة، وسور لا يكاد يغطي نصف المساحة، ألمح “صلّوما” مختبئا بين حبات الرمل، أزحزحها قليلا، ألتقطه كغنيمة، وأضعه في علبة معدنية صغيرة، في الحقيقة كانت علبة لمعجون طماطم، ومن حسن إعادة التدوير نستخدمها لمحصولنا الرائع، يبتسم قلبي لتلك الخشخشة البسيطة، كلما ألقيت ما أتخيله لؤلؤة داخله .

  • انا “ضوّلت” أكثر منك .

  • لالا.. أنا أكثر .

  • لنعّدها، وسنرى حينها من الفائز، ….

تلك المناوشات لا مفرّ منها، عندما نجتمع بعد الجمع، وكلاً منّا يتباهى بصلاليمه، وأي فرحة تضاهي فرحة الفائز.

بحذر ندّق “الصلوم” حتى لا ينطحن اللب، نضعه على حجر وبآخر، بحجم قبضة اليد، يهبط عليه بحرص، كل “صلّوم” يحوي بذرتين لونهما أحمر قان، إذا ما أسعفنا الحظ وكانت الاثنتين على ما يرام، بالنسبة لصلومٍ قديم غالبا ما تكون إحدى بذرتيه فتات، والأخرى تحول قُنيْها  دُكْنة .

بعدما نفرغ، نضع بذورنا بداخل العلب المعدنية مرة أخرى، هذه المرة تبدو أقل بدون كرتها ، حبيبات تغطي قاع العلبة بشق الأنفس، نحركها يُمنة ويسرة، وفرحة الإنجاز تعانق شغف الطفولة، لا نأكلها حتى نشبع ناظرينا من الصورة البهية، بذور حمراء تخالطها بضع بذور داكنة، يالجمالها… 

وبعد المباهاة يبدأ التلذذ، وإستطعام الطعم، فريد النكهة والرائحة، كوجبة فاخرة لا تضاهى.

كنت أستعيد الحكاية مع طفلي الصغير، يرمقني بنظرة، أشعرني أنني حقا قادمة من قرن مضى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق