الثقافي

عن الرؤى المنامية في التراث العربي وسردياتها الغرائبية

حسن المطروشي

(1)
تأخذ سرديات الرؤى والمنامات في التراث العربي مناخا خرافيا مشبعا بالتأويل والدلالات, نظرا لما يكتنفه من التبطين والتضمين والتحميل المؤدلج والتسييس المستهدف في أغلب الأحيان, والذي يتضح من خلال إشاراته أنه يهدف إلى أداء رسالة محددة واضحة. لقد وجدت مرويات الأحلام في بعض العصور الإسلامية بيئة خصبة للنمو والتداول والازدهار, غارسة جذورها في تربة الثقافة العربية حتى تناقلتها المصنفات ووثقتها الكتب المختلفة. في السطور التالية نقلب صفحات بعض أمهات كتب التراث العربي لنتعرف على جانب من هذه الروايات التي تتحدث عن الرؤى المنامية المتعلقة ببعض الرموز الأدبية والسياسية والاجتماعية وغيرها من مجالات الحياة ووجوهها المختلفة. وليس غرضنا هنا المناقشة النقدية لهذه المرويات, وإنما نقتصر على السرد المحض لها مع بعض التمهيد المقتضب, تسهيلا للقارئ على ولوج نص الحكاية .

(2)
ومن أغرب هذه الرؤى ما يورده أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني , عن رؤيا أم الشاعر جرير وهي حامل به, حيث جاء عن أبي عبيدة قال: رأت أم جريرٍ وهي حاملٌ به كأنها ولدت حبلًا من شعرٍ أسود، فلما سقط منها جعل ينزو فيقع في عنق هذا فيخنقه حتى فعل ذلك برجالٍ كثيرٍ، فانتبهت فزعةً فأولت الرؤيا فقيل لها: تلدين غلامًا شاعرًا ذا شرٍّ وشدة شكيمة وبلاءٍ على الناس. فلما ولدته سمته جريرًا باسم الحبل الذي رأت أنه خرج منها.
أم حاتم الطائي وقع لها شيء شبيه بذلك, إلا أن الرؤيا هنا كانت أكثر لطفا وسماحة لتتطابق مع شمائل الطائي, حيث يذكر صاحب الأغاني أن أم حاتم أتت وهي حبلى في المنام، فقيل لها: أغلام سمح يقال له: حاتم أحب إليك أم عشرة غلمة كالناس، ليوثٌ ساعة البأس، ليسوا بأوغال ولا أنكاس، فقالت: بل حاتم، فولدت حاتمًا.

(3)
وتتسلل السياسة إلى دهاليز هذه المنامات لتضفي على الأحداث الواقعية تسويغا غيبيا خارقا للمألوف ففي الإحاطة في أخبار غرناطة للسان الدين ابن الخطيب أن إدريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي أمير المؤمنين الملقب بالمأمون، وكان طالبًا بربريًا ضعيفًا، خرج مع عمه يؤم للشرق، وكان رأى رؤيا هالته تدل على ملك، إذ كان صفحته من طعام على ركبتيه، يأكل منها الناس، وكانت أمه رأت وهي حاملٌ، كأن نارًا خرجت منها أحرقت المشرق والمغرب، فكانت في نفسه حركة، لأجل هذه الرؤيا، فلما حل بسجلماسة، سمع بها عن المهدي، وكان رجلًا يعرف بأبي عبد الله السوسي، ووصف له بالعلم، فتشوف إلى لقائه، ليرى ما عنده في تأويل رؤياه، فانصرف إليه مع بعض الطلبة، فلقي رجلا قد وسمه، على ما يزعم الناس، حدثان من أبي حامد الغزالي، وعلقت به دعوة منه، في إذهاب ملك أهل اللثام، لحرق كتابه على أيديهم، فهو مغرٍ بالخروج عليهم، مهيأ في عالم الغيب إلى تخريب دعوتهم، فوافق شن طبقه وما اجتمع اللدان إلا ليقتتلا، والله غالب على أمره. فأجلسه، وسأله عن اسمه، وبلده وسنه، ونسبه، بالتعريف، وأمره أن يخفي من أمره، وعبر له رؤياه، بأنه يملك الأرض، فاهتزت الآمال وتعاضدت، ونفذت مشيئة الله، بأن دالت الدولة، وهلك محمد بن تومرت المهدي، فأفضى الأمر إلى عبد المؤمن، واستولى على ملك اللمتونيين، فأباد خضراءهم، واستأصل شأفتهم، واستولى على ملك المغرب، فأقام به رسمًا عظيمًا، وأمرًا جسيمًا، وأورثه بنيه من بعده، والله يؤتي ملكه من يشاء.
ومن أمثلة ذلك أيضا ما جاء في كتاب الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري , حيث تقول الرواية: فلما استجمع لربيعة بن نصر أمر اليمن رأى في منامه رؤيا هالته، ووجل منها، فبعث إلى شق وسطيح الكاهنين، فأخبرهما بما رأى، فأخبراه في تأويلها بما يكون من غلبة السودان على أرض اليمن، وبغلبة فارس بعدهم، ثم بمخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سمع ذلك أوجس في نفسه خيفة، فأحب أن يخرج ولده وخاصة أهله من أرض اليمن.

(4)
وفي مثل هذه البيئات التي تتفشى فيها مرويات كهذه لا بد أن ينشط أشخاص مثل أبي دلامة لتحقيق غايات أصغر بكثير من طموحات السياسيين. حيث جاء في كتاب الأغاني أن ابن النطاح قال: مر أبو دلامة بتَمَّارٍ بالكوفة فقال له:
رأيتك أطعمتني في المنـام
قواصرَ من تَمْرِك البارحة
فأمُّ العيال وصـبـيانـهـا
إلى الباب أعينهم طامـحة

فأعطاه جلّتَي تمر وقال له: إن رأيت هذه الرؤيا ثانيةً لم يصح تفسيرها. فأخذهما وانصرف.
والرؤى كذلك تكون أحيانا نذير شؤم على البعض ففي الأغاني أيضا أن غسان بن أبي عبيدة قال: رأى الشمردل فيما يرى النائم كأن سنان رمحه سقط، فعبره على بعض من يعبر الرؤيا، فأتاه نعي أخيه وائلٍ، فذلك قوله:

وتحقيق رؤيا في المنام رأيتهـا
فكان أخي رمحًا ترفض عامله

(5)
ومما يثير الدهشة في بعض هذه الروايات أن مفسر الأحلام أحيانا يستطيع التفريق بين رؤيا فلان من غيره, فلا تلتبس عليه الأمور. يذكر ابن الجوزي في المنتظم أن عبد الله بن الزبير رأى في منامه كأنه صارع عبد الملك بن مروان، فصرع عبد الملك، وسمره في الأرض بأربعة أوتاد، فأرسل راكبًا إلى البصرة وأمره أن يلقى ابن سيرين ويقص الرؤيا عليه ولا يذكر له من أنفذه، ولا يسمي عبد الملك، فسار الراكب حتى أناخ بباب ابن سيرين وقص عليه المنام، فقال ابن سيرين: من رأى هذا؟ قال: أنا رأيته في رجل بينه وبيني عداوة، قال: ليس هذه رؤياك، هذه رؤيا ابن الزبير أو عبد الملك أحدهما في الآخر، فسأله الجواب، فقال: ما أفسرها أو تصدقني فلم يصدقه، فامتنع من التفسير، فانصرف الراكب إلى ابن الزبير فأخبره بما جرى، فقال: ارجع وأصدقه أني رأيتها في عبد الملك، فرجع الراكب إلى ابن سيرين برسالة ابن الزبير، فصدقه فقال له: قل له: يا أمير المؤمنين، عبد الملك يغلبك على الأرض، ويلي هذا الأمر من ولده لظهره أربعة بعدد الأوتاد التي سمرتها في الأرض. فلما مات مروان ولي عبد الملك، وأقبل فقتل مصعب بن الزبير، وبعث الحجاج إلى عبد الله فحصره.

(6)
وإذا كانت الرؤى قد أتى بها الخلفاء وأصحاب النفوذ فإنها لاشك واقعة ومتحققة , ولو لم يتذكرها الآخرون ففي المنتظم لابن الجوزي أن محمد بن إبراهيم، قال: قال المنصور يومًا ونحن جلوس عنده: أتذكرون رؤيا كنت رأيتها ونحن بالشراة؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين ما نذكرها، فغضب من ذلك، وقال: كان ينبغي لكم أن تثبتوها في ألواح الذهب وتعلقوها في أعناق الصبيان، فقال عيسى بن علي: إن كنا قصرنا في ذلك فنستغفر الله يا أمير المؤمنين، فليحدثنا أمير المؤمنين بها، قال: نعم، رأيت كأني في المسجد الحرام، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة وبابها مفتوح والدرجة موضوعة، وما أفقد أحدًا من الهاشميين ولا من القرشيين، إذا منادٍ ينادي: أين عبد الله فقام أخي أبو العباس فتخطى الناس حتى صار على الدرجة، فأخذ بيده فأدخل البيت، فما لبث أن خرج علينا ومعه قناة عليه لواء قدر أربعة أذرع وأرجح، فرجع حتى خرج من باب المسجد، ثم نودي: أين عبد الله؟ فقمت أنا وعبد الله بن علي نستبق حتى صرنا إلى الدرجة فجلس فأخذ بيدي فأصعدت فأدخلت الكعبة، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وبلال. فعقد لي وأوصاني بأمته وعممني، وكان كورها ثلاثة وعشرين كورًا، وقال: خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة !
أما الأبشيهي الذي أفرد في المستطرف صفحات لمثل هذه الرؤى فأورد قصة تقول إن عاملًا أتى عمر رضي الله تعالى عنه فقال: رأيت الشمس والقمر اقتتلا، فقال له عمر مع من كنت؟ قال: مع القمر، فقال: مع الآية الممحوة والله لا وليت لي عملًا فعزله. ثم اتفق أن عليًا رضي الله تعالى عنه وقع بينه وبين معاوية ما وقع فكان ذلك الرجل مع معاوية!

(7)
ويسرد المسعودي في مروج الذهب رؤيا زبيدة أيام حملت بالأمين وعند مولده وبعده أن زُبَيْدَةَ رأت في المنام ليلة عَلِقَتْ بمحمد كأن ثلاث نسوة دخلن عليها وهي بمجلس، قعدت اثنتان عن يمينها وواحدة عن يسارها، فدنت إحداهن، فجعلت يدها على بطن أم جعفر، ثم قالت: ملك فخم عظيم، ثقيل الحمل، نكد الأمر، ثم فعلت الثانية كما فعلت الأولى، وقالت: ملك ناقص الجد، مفلول الحد، ممذوق الود، تجور أحكامه، وتخونه أيامه، ثم فعلت الثالثة كما فعلت الثانية، وقالت: ملك قصاف، عظيم إلايلاف، كثير الخلاف، قليل الأنصاف، قالت: فاستيقظت وأنا فَزِعَة، فلما

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق