مقالات

سؤال الآخَر وصورته الرمزية

محمد الحميدي

 

أنتجت أزمة كورونا 2020 كثيراً من الأسئلة التي ظلت عالقة في الأذهان كمسائل السفر والسياحة والتنقل بين البلدان بين المنع والسماح وكذلك في الانكفاء على الداخل والاهتمام بالهوية الشخصية للفرد والأمة، ومن ضمن الأسئلة التي أفرزتها سؤال الصورة الذهنية عن الآخر المختلف مهما كان نوع هذا الآخر عربيا إسلاميا مشاكلا للمذهب أم لا؟

   يحصل بين كثير من البلدان اشتراك في الحدود حيث تكون تلك المناطق المشتركة عرضة لتمازج الثقافات والديانات والعادات والأعراف فيما بين السكان، كما هو بين باكستان والهند (كشمير وجامو)، أو بين تركيا وسوريا (الأسكندرونة)، أو بين مصر والسودان (حلايب وشلاتين).

   الاشتراك والتمازج وتوحد العادات والأعراف لا يعني أن المناطق المذكورة تنعم بالراحة والهدوء، بل على العكس إذ تُشاهد العلاقات المتوترة بين البلدان بسبب هذه المناطق وفي بعض الأوقات تتطور الأمور وتصل حد الحرب الضروس كما حصل في (ناجورنو كارباخ) بين أرمينيا وأذربيجان.

   من المهم جدا معرفة خلفيات الصراع وأسبابه، من أجل محاولة علاجه وإسكات الأصوات المطالبة بالانفصال بين السكان، فهم وحدهم من يقرر المصير ويختار الانتماء إلى بلد، والخروج من آخر، أمام هذه الحالة سيكون السكان أمام عمليتين متعاكستين من التأثير في الرأي؛ حيث يجذب كل فريق الأفراد إلى صفه نحو البلد الذي يود الانتماء إليه.

   هذه المشكلة ليست متعلقة بكورونا وإجراءات العزل بين البلدان والتباعد وعدم السفر، فهي قديمة ومستمرة ولن تزول قريبا، لكن ما عملته الأزمة هو تعميق الهوة بين الفريقين، وإضفاء سؤال في غاية الأهمية على الصراع، هو: كيف يتم النظر إلى الآخر؟ وبعبارة أخرى: ما الصورة الذهنية التي يتم حملها تجاه شعب أو أمة أو بلد؟

   قضية الصورة الذهنية من المسائل الشائكة والحرجة لدى الشعوب، فبسببها تقوم الكثير من العداوات وتحدث الاشتباكات التي قد تتحول إلى عداء عميق، وهنا يكفي النظر إلى الخارطة وتعيين أماكن التقاء الدول لمعرفة المشكلات الجيوسياسية التي تواجهها ومثلنا لبعضها.

   لا تقتصر الصورة الذهنية على البلدان المتجاورة فقد يحصل أن تكون بين ثقافتين أو أمتين كما هو بين روسيا والولايات المتحدة أو بين الصين واليابان أو بين العرب والغرب.

العربي يمتلك صورة ذهنية “تصوراً” كبقية البشر، وهذه الصورة ليست وليدة اللحظة، إنما هي امتداد طويل من التجارب والعلاقات بما في ذلك حالات الصراع والاحتلال وسلب الحقوق ووو…، وعبر هذا الامتداد الطويل من التجارب والخبرات يتم تشكيل الآخر وربما شيطنته.

   في ظل جائحة كورونا والأسئلة العميقة التي طرحتها برز سؤال الآخَر بشكل مختلف وبمقاربة أكثر إلحاحاً من السابق، فالمطالبة بإثبات الولاء والانتماء ظهرت كأمر لازم ولا يحتمل التأخير، مثلما هو حاصل في البلدان الغربية والمرتحلين إليها من العرب طالبي اللجوء والسكن والعيش بأمان.

   ما يحدث في البلدان الغربية يحدث شبيه له لدى الشعوب العربية، مع الفارق بينهما وهو عدم وجود لاجئين أو مغتربين عن أوطانهم من تلك الأمم، وإن تواجد بينهم عاملون من جنسيات شتى وربما بعض الهاربين من دول قريبة.

 هل البيئة العربية منغلقة على ذاتها ومنكفئة على نفسها وتعاني مشكلات لا حصر لها تجعلها غير جاذبة للراغبين في السكن والعيش داخلها وبين أهلها؟ يبدو كذلك وإلا لوجدناها تعج بطالبي اللجوء وراغبي السكن.

   سؤال الآخَر وصورته الرمزية لا يتوقف هنا فله امتدادات مستقبلية لعل أهمها وأخطرها  تربية الأجيال الناشئة على الانتقام من كل ما يمت إلى تلك الثقافة أو ذلك البلد، ومع هذه الامتدادات يتحول العالم إلى بؤر صراعات لا تنتهي، ومن الواجب عدم الوصول إلى هذه النقطة الحرجة..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق