الثقافي

أفياء النبض…… لـــ: زهراء غريب

-هذا المساء..  لن يتكئ قلبي على شتات طيفك مطلقا.. وسأقود نبضاتك المواربة نحو التلاشي!

-كفاك يا فتاة! رفقا بهذا الرجل! 

–  أي رفق يا أمي؟ شهر لم أره.. ولم يجرِ معي أية مكالمة هاتفية! سأتركه وأمضي.

-حسناً.. اهدئي، رفقاً بما أودعه الله في أحشائك.

تنتصب الذكرى أمام أسى غيابك.. عيناي تجولان في رسائل بعثتها لك قبل خمسة أعوام ونيف أقرؤها في كل حين أرغب في غرف جرعة كراهية من قلبي تجاهك دون جدوى. أقسمت بأني سأقود نبضك نحو التلاشي في آخر كلمات أرسلتها لك هاتفيا.. لكنك فعلتها بنبضي مسبقاً. أقذف هاتفي بعيدا فيتحطم، وتلامس يداي صورتك المعلقة على الجدار: كم تبدو وسيما بقميصك الأبيض الملطخ بكعك عيد الميلاد العاشر لطفلتنا رانا.. أما زلت جميلا كما عهدتك؟ أم غيّرت الحرب قسماتك وصبغت بياض ردائك بلون آخر يليق بجنائزيتها؟

– ماذا دهاك؟! وما تنوين فعله؟

–  أتيت للتو؟  لا تقلقي أمي..  فالهاتف انزلق من يدي.. سأفرغ غرفتها من كل أشيائه.

–  اغلقيها فحسب.. ستعود حتما لأخذ متعلقات والدها. ألن تحتفي بميلادها الحادي والعشرين؟

– -رفضت دعوتي لقدومها اليوم للمنزل وستحط طائرتها بعد الغد في العراق. لن تعود.. ليس بعد انضمامها لتلك المنظمة الحقوقية الدولية الراعية لضحايا الحرب في الشرق الأوسط. 

 بمهل تتحرك سيارتي في شارع مضطرب بأصوات غاضبة لحشود تجوب واشنطن مطالبة بإنهاء حرب العراق التي فور شنها انخرطت في تنظيم المظاهرات الاحتجاجية الداعية للسلام وإيقاف العمليات العسكرية في بلدك _الجريح_ كما لقبته دائما. لم ألك انهماكك في النشاط السياسي كليا؛ فلم تكن تعود للمنزل إلا في ساعات متأخرة تقبّل رانا، تتجاهلني، ثم تخلد للنوم! لعل رفضي الاستقالة من عملي كمحررة للشؤون المحلية في صحيفة ناصرت الحرب جعلك تراني انعكاسا لمطلق النار! غير أن جلّ ما كتبت لم يتصل إلا بالهم الاجتماعي الأمريكي.  

أنهينا أشهرًا من الشجارات المستعرة بيننا بقرار عودتك كمراسل حربي للعراق. ظننت أن تلقّيك نبأ حملي سيعيد علاقتنا إلى نصابها لكنك اكتفيت بالقول:

-خدعة جيدة لن تثنيني عن العودة لبلادي العراق. 

حريّ بالحب العبور بنا من قارعة الحرب نحو شرفة وصل تحكم قبضتها على لهيب الفراق. حريّ بالعشاق ألا يتذرعوا بمعارك سياسية عبثية تبدد الشعوب دما وتيها لإفلات الأيدي. مضى من عمر القلب شهرٌ كاملٌ تجرّعته بترقّب ردك على العشرات من رسائلي. غير أنك نفيتها إلى بريد التجاهل ولم تجرِ معي أية مكالمة هاتفية! ومرارا ارتطم انتظاري بالوجد والطمأنينة بعد ظهورك على شاشات التلفاز سالما في تغطيات حربية عكفت على متابعتها.

 ألمح رانا تخترق صفوف المحتجين وتلتقط صورًا للمسير بكاميرا أهديتها إياها قبل رحيلك. لا أخفي عليك شعوري بالرعب والقشعريرة فلوهلة حسبتها أنت! أواه! كم تشبهك كثيرا وتتقاطع معك في التصميم والتعطش للحقيقة. بوسعي رؤيتها الآن تركز بصرها بذهول ساخر على عبارة اللافتة التي أرفعها: 

-عام سعيد رانا..  ماما تنتظرك في السيارة عند زاوية الطريق ولن تغادر إلا برفقتك.. أعدك سنقضي وقتا عائليا ممتعا دون جدال.

 

أترقبها بصمت مقاومة تلك الصرخات التي تتشظى في أذني كما لو أنها توقعني في كمين الذكريات.. كما لو أن هذا الطريق ينوي ابتلاعي برصيفه الذي شهد تعرضي فيما مضى لحادث مروع أفقدني طفلي.. كم أملت وقتذاك أن تكون بجانبي لتطفئ توقي إليك وتركن لحب تكبر طفلتنا رانا بين أفيائه. بقيت طريحة الفراش ما يقارب شهرين في مستشفى منعني الأطباء من مغادرتها؛ قلبي لم يكن في وضع جيد.  آنذاك أفاقني صوتك المبحوح بالبكاء.. حسبتك خيالا يداعب أشواقي فأسدلت جفني..

– أنا هنا يا سارة.

– أحمد.. ظننتك هجرتنا.. لا تغادر وتتركنا أبداً..

دنوت مني وعانقتني..

– تعافي أرجوك.. جئتك للوداع الأخير.. سأقيم في العراق لمواصلة نضالي الإعلامي.

 – أحبك جداً. اعتني بنفسك وبرانا جيداً.

ثم ناءت ظلالك لواد آخر لا يعرف الغياب وجهة امتداده.  نتحلق حول كعكة الميلاد التي أعدتها أمي فتطفئ رانا شمعتها. لا شك أنها تمنت ثانية أن تكون مراسلة حربية كأبيها. لطالما طوقت ميولها السياسية وقمعت مساعيها الإنسانية في السفر التطوعي لعواصم الحروب. لم أكن سأجسر على خسارتها والارتهان للفقد من جديد. آثرت رانا ترك المنزل فور بلوغها سن الثامنة عشر على البقاء معي فرارًا من قسوتي المفرطة ضد خياراتها.. يومها هوت مدخرات غضبي بأصابعي على وجنتيها لقولها: لا شك أن أبي هجرنا بسبب هوسك بالتملك والسيطرة!

 نفرغ من احتساء نخب الحفل ونتلو صلوات الحب. تلكزني المخاوف فأبكي! أدرك أنها ستسافر لتعقّبك، ولربما لن تعود. وحدها الدموع من تبارك عناقنا. تربت أمي على كتفي وتطلب من رانا قراءة رسالة بدت مكتوبة بخط يديك:

“حبيبتي.. سأمضي نحو حياة لا أدري شيئا عن مداراتها.. العراق وأنت وطناي.. وجدت أخيرا السبيل لاقتسام دفئكما.. جسدي سيوارى الثرى في العراق وقلبي ستحتوينه!  أعلمني الأطباء بحاجتك لقلب فوهبتك نبضي.. أحبك سارة. اعتن برانا وبنبضي جيدا. ولا تقوديه أبدا نحو التلاشي”.


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ما شاء الله سلمت الأنامل نص أكثر من رائع

    صباحي الجميل
    كان يوما مميزا منذ البدايات حين تسللت أشعة الشمس بين الأغطية والوسائد لتطبع قلبه ندية على جبيني وعلى خصلات شعري المجعد بعد أن رفعت سكرة المنزل إبنة أخي الستارة لتبادرني بإبتسامتها البريئة (صباح الخير عمتي)  . رددت وأنا في قمة السعادة (صباح الخير سكرتي صباح الخير ) خرجت من السرير ذهبت للخارج لأستمد من حرارة الشمس كل النشاط همست لنفسي أنه يوما خاصا بي ، اليوم هو يوم مولدي ستزورني صديقتي لنحتفل به معا علي الذهاب للقيام ببعض التجهيزات . إشتقت لصديقتي كثيرا – نظرت للسماء إنها خجولة تختبأ خلف السحاب وتسمح لأشعة الشمس بالتسلل من بين فتحاتها كعروس جميله في صباحاتها الأولى . لا بأس يا كرونا أستمر فلن تفسد علي يومي ولن تقطع أواصر الصداقة بيني وبين صديقتي التي امتدت عشر سنوات . بعض المآسي قد تكسرنا لكنها تعلمنا معنى الحياة وتجعلنا نتمسك بالأمل فلا نحزن لأن الله معنا فشكرا لله لهذا الصباح الجميل .

    مع تحياتي
    س . س

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق