إصداراتنا

من رواية “انفصام.. سياسي”

بدر الكيومي

مقطع من رواية “انفصام.. سياسي” الصادرة عن دار لبان للنشر

الحماس، بشحناته الكهربائية الصادمة باهتزازتها العنيفة حد الموت، يقُودني إلى التمادي في السير نحو المجهول، اكتشاف قوة التحمّل لدى الآخر لمواجهة الضغط، الضغط الخفي الذي أمارسه عليه، متلذّذا بأنني أنا “المجهول” قادر على خلخلة ثبات أولئك “المعلومين” جدّا، ممن أعتبرهم “لصوص البلاد وفاسديها” كما يسعدني توصيفهم، ممتلكا قدرة الفرز والهمز وتحريك الرأي العام، والبحث عن “معرّف” غير معروف.

 لم يكُن التوقف عن الكتابة في صحيفة المستقبل بدواعي الكسل ولا الخجل، وإنما كان بداعي الحماقة. 

ابتعدتُ عنهم لأحترمهم، ليس لأنهم أكبر سنًّا ولكن كما قال صاحبي حسن لأنهم سادة القرار. ابتعدتُ فاحترموا صمتي، مرّت عليَّ أيامٌ مُوجعة، تأكل كآبتها من كبدي، لولا أن أتى الشرق بكوده السري لأكبت أحلامي الورقة وأتفلسف بخواطري في فضاءاته.

لم أكُن أعرف وقتها بأن للمقادير شأنا آخر، مع أنها عوّدتني أن لا تكفّ عن تصاريفها معي، وكم أخبرتني بأن المحطة التي أنا فيها ليست سوى عابرة، مهما بدت مستقرة، أو كأنه لا محطة بعدها، فالقطار لا يهدأ، وعبثي استقراره في بقعة لا تلبّي حاجته/ حاجتي للشغف.

 منذُ ألغي الموضوع الأخير أحسستُ بأن هنالك عتابًا يلُوح بالأفق، ثمّة عاصفة أو خط أحمر بلغته، مهما بدت السماوات مفتوحة، والأراضي شاسعة لا حدود لها، ما لم أتوقعه هو أن العتاب كلمة مهذبة، هناك ما يسوقني إليه القدر، ولا أعلم هل هو من يُبعثرني، أم أنا من أُبعثر نفسي بسبب أحلامي المُتذبذبة، والتي لم أجزم أن ما أراه ضمن مقاسات الأحلام أو هو عبث شقي!

سأمي من المكتب دفعني إلى مقهى قريب لتناول القهوة، ضمن ما أسمّيه بعادات الملل، أضع المُسجل الصغير في جيبي والسماعات في أُذني وأستمتع بصخب المُوسيقى الكلاسيكية أو هدوئها، تتلاقى مع ما في داخلي من تناقضات الصخب والهدوء، موجات تتكسر على أخرى، أصعد على “جوبيتر” موزارت في مقطوعته الـ41 ثم أهبط على نغمات شوبان، أتذكر موعدي المسائي لألتقي بأحمد، جميل الجلوس إليه، حيث يمكن لشخص أن يفهمك دون كلام.

فاجأني محمود، المنسّق المراوغ كثعلب، يأتيني لاهثا إلى حيث المقهى، هناك من يتّصل بي عدة مرات ويطلب مُحادثتي في أسرع وقت، فتوقعته، ضمن توقعات أخرى، أنه أحمد يُريد أن يعتذر عن لقاء اليوم، فقلتُ لهُ: “بشرب القهوة وبشوفه”، رد عليَّ محمود بعصبية: “يعني لو شخص عادي كان بترك مكتبي وبجيك، الرجال يقول جدًّا ضروري، شوفه يمكن أحد من أهلك مات”.

رجعتُ إلى المكتب، فإذا بزميلنا المشترك الوارث يُخبرني بأن حسن تلقّى اتصالا من مركز الشرطة وحتى هذا الوقت لم يرجع، و”قبل ذهابه لم يُخبر أحدًا غيري، وطلب مني أن أُبلغك”. 

لهيب الصدمة يحرق وجهي، تصاعدت القهوة من داخلي باثّة حموضة طاغية فتتصاعد إلى حلقي، واندفعت الأسئلة لعلّني أجد في إجاباتها ولو قليلا من الاطمئنان، لماذا؟ وماذا حدث؟!

نفى الوارث علمه بأي شيء، وأغلقت الهاتف على حالة من الدهشة الفاغرة أفواهها على احتمالات ضبابية، بدأت الأفكار تأتيني من كل حدب وصوب، تهبّ عواصفها من صحراء الربع الخالي، فتذروا الغبار في الفضاء يحجب رؤية كل شيء، عجزت عن رؤية نفسي، يا ترى ماذا فعل حسن؟! فمنذ أن عرفته لم أرَ منه إلا ذلك الرجل المسالم والطيّب، ليست لديه مشكلة مع أحد، ولا يتدخل في شؤون غيره!

أيُعقل؟! 

اتّصلت بالوارث مرة أخرى لأستدرجه في الحديث، فطلبتُ منهُ بأن لا يكُون شحيحًا عليَّ بأخباره. “لا تُقطّر لي الأخبار،” نفى الوارث وبأشد الأيمان علاقة ما يحدث بموضوع الشحّ أو غير، فقط: لا يعلم الأسباب، فاتفقنا أن نلتقي لمناقشة الموضوع، تشاورنا إن كان الأفضل الاتصال بأهله وإبلاغهم بما حدث أم نذهب لمركز الشرطة لمعرفة سبب الاحتجاز، الوارث كان رأيه أن نقوم بالاتصال بالشرطة والتواصل مع المركز.

أما أنا فأعترف بأنني كنتُ خائفًا من الاثنين، ما حصل لي مع الشرطة ومراكزها، صوت زوجة أبي عندما كنتُ صغيرًا يهدّدني بالشرطة تحفظه روحي كما لم تحتفظ بشيء آخر، صُرتُ لا أريد أن أراهم.

اقترحتُ على الوارث بأن ننتظر حتى صباح الغد وبعدها سنتصرّف، ورجوتهُ ألا يتركني وحدي في الشقة، وأن يقضي الليلة معي، ومن شدة الخوف والقلق لم أستطع بلع لقمة رغم جوعي، كنتُ أشُم رائحة العفن من أي طعام، ولو بتذكر اسمه، وصل أحمد حيثُ نسيتُ الموعد معه، قال: “وينك سعيد؟ انتظرتك فترة طويلة وكنت مُغادر المكان على بالي ما بتجي”.

لم أستطع أن أُرد عليه حتى تدخل الوارث وأخبرهُ بالقصة، فتأسّف على ما حدث.

كنّا الثلاثة في الشقة، ورابعنا أحمد، وربما خامسنا وسادسنا شياطين الخوف والقلق التي تضع احتمالاتها على أسوأ ما يمكن أن تأتي به شمس الغد، لم أفكر حتى بتصفّح موقع الشرق، ولا بالنوم، جلستُ متكئًا على الأريكة بينما الوارث كان يمشي في الشقة وأحيانًا يجلس. 

لم يخطر ببالنا أنّنا لا نحتاج إلى شمس الغد لتأتينا جهينة بالخبر اليقين، ففي الساعة الثامنة مساءً سمعتُ جرس الشقة يهتِفُ وبدون توقف، كان من غير المألوف أن يطرق الباب أحد علينا في ذلك الوقت. لم أستطع الوقوف لفتح الباب، الوارث يأتي مسرعًا من المطبخ ليفتحه، فإذا برجلين يقولان أن لديهما أمرًا بتفتيش الشقة، لاحظت أنهما يرتديان دشاديش وعلى رأسيهما مصرّين يبدوان بشكل متأنق، كأنهما ضيفان في صبيحة عيد، مع أن المشهد خارج هذا التوصيف تماما.

دخل الرجلان إلى الشقة، وبينما كانا يسلمان عليَّ تبعهما ثلاثة آخرون بلبس مدني أيضًا، نادوني باسمي، أثار استغرابي أنهم يعرفوني! طلبوا مني أن أُرشدهم إلى جميع الأجهزة الإلكترونية الموجودة في الشقة. ذهب الضابط برفقة أحدهم مُباشرةً إلى جهاز الحاسوب، طالبا منّي فتحهُ أمامهم.

هُنا تيقّنتُ فعلًا بأن “الفأس طاحت في الرأس”، (الجماعة) يبحثون عن “القدس لنا”، كُنتُ أخُوض معركة بلا وعي، لم ينفعني إنكاري، ذهبتُ لفتح الجهاز ويداي ترتعشان من الخوف، رفع صوتهُ عاليًا، عليَّ بأن أفتح الجهاز بسرعة، فتحتهُ ليذهب مباشرةً إلى موقع الشرق، ظهر له مباشرة على النافذة الأمامية “القدس لنا”، وسألني عن صاحب المعرّف، أجبتهُ، ورأسي منكس للأسفل، ولا أتذكر أنني حقا نطقتها هذه الـ: أنا. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق