العام

الرشاقة حلم الجميع

اجتمعنا على وجبة عشاء مع الزملاء من مختلف الدول الخليجية بعد انتهاء مؤتمر الطب النفسي الذي عقد في العاصمة الإماراتية أبوظبي. وبين أقداح القهوة السعودية وأطباق الحلوى العمانية، والمبثوث الإماراتي يملأ المكان برائحته الزكية، وبعد الكبسة والشاي الأخضر دار الحوار عن مواضيع عديدة تعنى بواقع الطب النفسي في المنطقة.

د. حمد بن ناصر السناوي

تطرق أحد الزملاء إلى ما يسميه بهوس الرشاقة، وكيف أن بعض المرضى يفني عمره وأمواله في صراع مرير لتخفيف الوزن، فالوجبات اللذيذة كثيرة، والمطاعم تتفنن في التسويق للطعام وتتسابق في إرسال إعلاناتها إلى هاتفك وحسابك في الانستغرام. بل ما تكاد تخرج من بيتك حتى تجد نسخا من قوائم الطعام محشورة على باب البيت والسيارة. البعض منا يستطيع أن يقاوم هذه الإغراءات ويقتصد في أكله خوفا من السمنة وما يصاحبها من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكري والشرايين والآلام الركبة عندما يعجز الجسم من حمل كل هذه الكيلوات من الشحم واللحم.
أما البعض الآخر فيطلق لشهيته العنان حتى إذا ما زادت الأوزان أصبح يبحث بين محلات تخفيف الأوزان عن حل سحري، فيمضي أيامه في وصفات لا تنتهي تبيعه الأمل وأحيانا عديدة الوهم حتى إذا ما أصابه الإحباط من برامج الحمية القاسية بشتى أنواعها. ومن الملاحظ أن معظم برامج إنقاص الوزن عن طريق تقليل استهلاك الطعام ينتهى بالفرد إلى إعادة اكتساب الوزن الذي يتم خسارته خلال ممارسته للحمية. فالدراسات العالميه تشير إلى أن الدماغ عندما يستشعر بنقص فى الطعام الذي اعتاد الفرد أن يتناوله يقوم بالتقليل من حرق الطاقة خوفا من زيادة النقص الأمر الذي قد يصيب الفرد بحالة تشبه المجاعة.
كما أن معظم برامج الحمية التي تعتمد على قوة إرادة الفرد في مقاومة إغراءاته الطعام بشتى أنواعه تتجاهل العامل النفسي وعلاقته بتنظيم الشهية للطعام. فمن المعروف أن الرغبة في تناول الطعام ترتبط بالحالة النفسية للفرد. فبعض مرضى الاكتئاب يفقد شهية الأكل مثل ما يفقد الاستمتاع بالحياة ليصل به الأمر إلي فقدان الوزن والضعف الشديد، بينما يسرف البعض الآخر في تناول كميات كبيرة من الكربوهيدرات بما يعرف بالأكل من أجل الشعور بالارتياح، حيث تحتوي السكريات والشوكولاته على مواد تسهم في تحسين المزاج لكن هذا التحسن يكون لفترة قصيره يتبعها شعور بالذنب الشديد والخوف من السمنة.
وتنتشر لدى المراهقين حالات خاصة من اظطرابات الغذاء من أهمها فقدان الشهية العصبي (الانوركسيا) والشره المرضي العصبي (البوليميا) وهي أكثرشيوعا بين النساء بنسبة 7 إلى 10 مرات مقارنة بالرجال.
وقد يصعب على الوالدين تحديد ما إذا كان نظام الحمية التي يتبعها المراهق هو من نطاق اتباع نظام صحي إو انه من العلامات المبكرة لفقدان الشهيةً العصبي خاصة عندما يكون فقدان الوزن ليس بالدرجة الكافية لتشخيص الحالة أو التدخل الطبي. ومن الملاحظ أن وسائل الإعلام بشتى أنواعها ترسم صورة الأناقة والجمال مقترنة بالجسم الرشيق، بل النحيل أحيانا، ولا تقتصر هذه الصورة على النساء بل تشمل الرجال أيضا، فغالبا ما نشاهد في الأفلام والمسلسلات الأشخاص المتفوقين ذوي أجسام رشيقة.
ويلخص علماء النفس ببعض السلوكيات التي قد تساعد في تنظيم الوزن كما يلي:
1 ـ كافئ نفسك بغير الطعام:
البعض منا عندما يعود إلى المنزل بعد يوم شاق يقول لنفسه «أستحق كعكة أو طبقا من الآيسكريم بعد المجهود الذي بذلته «. إذا كنت ترغب في تنظيم وزنك، قم بتناول الفاكهة أو العصائر الطازجة الخالية من السكر.
٢ ـ سجل كل شيء:
يوصي خبراء التغذية بأن يقوم الفرد بتسجيل كمية السعرات الحرارية والدهون والملح والسكر الموجودة في كل وجبة كل يوم للتأكد من عدم تجاوز الحد المسموح به. كما يجب الانتباه إلى عدد السعرات الحرارية التى تحرقها خلال نشاطك اليومي أو أثناء ممارسة الرياضه التي يمكن قياسها باستخدام تطبيقات الهاتف الذكي.
٣ ـ ضع لنفسك حدودا:
قد يفرط البعض عند اتباع نظام غذائي لتخفيف الوزن في التقليل من الطعام او المبالغة في التمارين الرياضية فيقعون في دائرة اضطرابات الأكل مثل فقدان الشهيةالعصبي الذي يؤدي الى مضاعفات عديدة، يقترح الخبراء ان يمنح الفرد نفسه كميات مستهدفة من السعرات الحرارية التي يجب تناولها كل يوم بالإضافة إلى السعرات الحرارية التي يرغب في حرقها. أفضل طريقة لذلك هو قياس مؤشر كتلة الجسم ثم معرفة مقدار ما يجب أن يخسره للوصول إلى الوزن المستهدف وكم من الوقت.
٤ ـ اضبط عاداتك:
معظمنا لديه عادات روتينية في شراء وتناول الطعام، وكذلك وقت تناول الطعام. فالشخص الذي يغادر منزله إلى العمل دون تناول الفطور ينتهي به الأمر عادة إلى تناول كميات كبيرة من الطعام خاصة إذا كان مع زملاء العمل، حيث الأكل الجماعي وما يصاحبه من حديث يؤدي إلى الإسراف في الأكل دون وعي المرء بذلك. وكذلك أثناء التجمعات الأسرية أو الخروج مع الأصدقاء إلى السينما أو تناول العشاء خارج المنزل، ما يؤدي إلى نفس النتيجة، لذا فإن اتباع نظام غدائي معين يتطلب التغيير من هذه العادات واستبدالها بعادات جديدة مثل تناول وجبة خفيفة قبل الذهاب إلى العمل، أو تقليل أكواب القهوة واستبدالها بالشاي مثلا. أو الاستغناء عن استخدام السيارة في المسافات القريبة والمشي إلى المسجد أو البقالة خاصة عندما يكون الجو معتدلا.
إن ممارسة هذه السلوكيات بشكل منتظم يجعلها تصبح عادات جديدة مع مرور الوقت.
كما يجب التنبه إلى الأفكار والسلوكيات التي يمكن أن تؤثر سلبا على برامج الحمية ومحاولات الفرد أن يتبع نظامنا غذائيا سليما، ومنها:
١-الأهداف غيرالواقعية في خسارة الوزن، كأن يتوقع أن يخسر كيلو جرامًا من وزنه خلال أسبوع واحد، أو أن يحرم نفسه من الطعام كطريقة لإنقاص الوزن فيشعر بالجوع ويفقد القدره على السيطرة على نفسه فيعامل الأمل ربما بشراهة أكبر.
٢- التصورات السلبية لشكل الجسم، فنجد البعض يبالغ في إحساسه بالسمنة ويصبح زيادة الوزن هاجسا مستمرا يسيطر على تفكيره، وربما يقلل من ثقته بنفسه ويفقد الرغبة في متابعة تناول الغذاء بطريقة صحية.
وختاما، فإن العلاج النفسي يكون أكثرنجاحًا إذا ما تم إدراجه ضمن برنامج شامل لإنقاص الوزن يتضمن نظامًا غذائيًا وممارسة الرياضة لتتحقق الفائدة المرجوة.
مع تمنياتي للجميع بالصحة والسعادة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق