الثقافي

اللّغة الفائقة وفيزياء المعنى في رواية الرجل الرابع ل”محمد الرحبي”

كتبت: د. زينب لوت/ الجزائر

تتناول لغة الروائي محمد بن سيف الرحبي في روايته “الرجل الرابع”، فلسفة حول الحب ومنطق للعاطفة الإنسانية في تناقضاتها وخفائها وزئبقية الفيزياء التي تكشف خبايا الحركة والكم، يتأثث المعنى في تفسيرات الخفي السلوكي والمعرفي بالحياة، والتعاملات وكيفية تقدير التغيرات الفيزيولوجية والحسية بين ثنائية الرجل  والمرأة، وعبقرية النص في الكتابة عن نفسه، فتنطوي الأحداث عن مخاض رواية بين الحقيقة والخيال. أناوئ الكيفيات والوضعيات الممكنة للخروج بجمالية المحكي، ومسافات الفراغ الذي ينتج مؤولات كثيفة، تعكس قدرة الروائي في تشفير العالم الدقيق للإنسان في جوهر وجوده.

العلاقات العاطفية لا تغدوا عند الكاتب مجرد غزل عابر، بل نجد في الرواية حفرا لغويا في الفيزياء والكيمياء والشعر والسرد، تفاعل يحفز القارئ في إعادة قراءة النص مراراً، ويفتح مجالا من الاتساع الفني والتفنن في اقتناء الأساليب الراقية في التقاط الصورة، تلك المعاني العميقة التي تلعب على أوتار التّناسق والانسجام فتنساب كوعي لمنجز روائي، يمتطي التأني في تصوير الأشياء أو التشيؤ في خضم وجودها الكوني، ليمسك جوهرها ويصف منحى فكرة تمارس حضورها المتفاعل في بلاغة المبنى، كما يركز على التحولات وأثرها الحياتي والنفسي وتنبني لغة فلسفية بمفاهيم علمية فنية.

عبارات تسهم في تعزيز شاعرية الحكي وانسيابية المدرك المحسوس، يلون الروائي لغة الخطاب بمزايا المعرفة التي يسيرها في التأثير على المتلقي ،حسب رغبة التلقي المنتظرة من الباث لها من خلال المؤثرات التي تستدعيها المخيلة كما في الفقرة الآتية: “تحاول أن تسد باب الذاكرة بيد واهنة وكل شعاع منهم يتسلل إليك ليتعبك .وقد كان يريحك هذا التداعي” ص70. توصيف التذكر وعملية اشتغال الذاكرة، ودرجة التداعي بين ترتيب تأملي حركي لموصوف مثقف وواعي، أداة للجمال ولتحقيق فني أداء المروي دوره في فرز نشاط الحس  والعقل معاً في تفسير ظواهر الذات وكينونتها، وتحقيق التوافق بين ما تزخره الأشكال الخطابية ونوعية الوظائف الخطابية، فإن كان لتحقيق النص السردي المتميز فالروائي بموهبته يمتلك فنيات تصويرية، ومهارات من الأبنية التي تؤسس الدلالات الفائقة بلغة المحكي وبراعة الحكي المناسب لتحقيق قيم جمالية وفكرية، وخطاب تأويلي مع مختلف الرؤى، وتمكين الكينونة الوجودية من تمثيل حركتها.

الخطاب يتوافق وهذا المنحى من الفلسفة ومختلف النظريات الفيزيائية حول الكم والحركة  مثل نظرية (الأوتار الفائقة) القيمة، كما تتخذ الحقائق الفنية عدة مؤثرات تثيرها مجاز واستعارات تضيف مسارا تعبيريا يتجاوز الواقع ويصفه بالمحاذاة له، بتعميق الأثر عبر تكوين المؤثر في الصورة كما في الفقرة التالية : “وعصافيري أكثر قدرة على التحليق كل السموات أمامهم فضاء رحب، كل غيمة ستمد غصنا ….حينما يتعبها التحليق.” ص44.  تنظيم ابستيمولوجي يسقط الواقع المجرد في تخيل تشكيلي يعيد إنتاجه الموغل والمنفلت في الخيال الخلاق.

استخدم المؤلف شخصية “إرفين شرودنج”   Erwin Schrödingerوهو عالم فيزياء نمساوي حصل على جائزة نوبل حول أعماله ونظرياته الفيزيائية في مجال ميكانيكا الكم، التي يجعلها مصدر تخاطب موضعي للحوار وإدراك المجهول في حياة الإنسان، علاقة الحب التي استطاع من خلالها تقمص شخصية المرأة وما تريده لتستطيع التأثير من حيز ارتكازها الاجتماعي والعرفي، ورؤيتها الحقائق عبر وعي فيزيائي كما في نص الرواية: “الحب علاقة تتحكم بمفهومي ” العكسي و الطردي”، أقرأ المزيد لأفهم : ( العلاقة الطردية في حقيقتها تربط بين كمّيتين فيزيائيتين، عند زيادة الأولى تزداد تبعا لذلك شدة الثانية، ولكن يشترط لهذه الزيادة المزدوجة ثبوت شدة كمية ثالثة ترتبط ارتباطا وثيقاً مع كل منهما”ص72 . فربط المؤلف محمد بن سيف الرحبي الكتابة في رواية الرجل الرابع، نسبيا حقيقة الحياة وتفاصيلها المضمرة  والمنزلة المركونة  في عمق النفس الإنسانية،  وقد يخفي كنهها النائم، فتكون مشهدا لمعاناة وفرح بين ازدواجية القلق والخوف والتردد.. عند الكاتب لأنه يبحث عن استمرارية معاني ومضمونا يتخطى به حدود واقع، أو يعيش واقعا يرفض التصريح عنه، أو يغرز تلك الخفايا والأفكار المرجأة، ووصفها ونقلها نقلا حرا بالكتابة ويفسره في قوله:

“ليس كل ما يسكننا نجيد التعبير عنه (ص101). فالتركيب السردي يعري الوقائع المندثرة في نفسية الإنسان ليواجه حقائق النفس ويصغي للصمت القابع خلف رتابة الوجود هندسة مغايرة لمعانيه فاتساع الكم اللغوي عنده يُسيّرُ كل تلك البُنى التركيبية، التي تعطي فعاليتها في تحقيق الغاية القصوى لبلوغ نهاية مباغتة تظهر مع أوراق رواية تمسك فصولها الشخصية المركزية، وتضفي حالة نزيف وصفه بالبياض تلك الأوراق التي تسندُ مساحتها للتأليف المهيمن في خيال الروائي محمد بن سيف الرحبي.

فعل الكتابة في رواية الرجل الرابع، تجسيد مميز للسرد بلغة المنطق الفيزيائي الذي يصف كل ما هو نسبي، كذلك ينغمس الروائي ويصف التكوين الفيزيائي للإنسان وأثر ذلك، ويبرز الخلق الفني كقوة تفرزها النفس ذاتها، بإضافتها للأشياء التي تصنع منها الجمالية، كما يقارب بين الذاكرة والتجارب الحياتية استثمار يقوم به الكاتب باللّغة الفائقة وفيزياء المعنى، لإسقاط التراكيب المتسعة للمجاز والانحراف التداولي للغة، وسعة فكره مكنته من حرية إضفاء حالة جمالية فكرية يفسرها بحريته الخاصة، وحسب تقديره للمسائل التي يعايشها، ويحاول تحليلها من خلال خبراته العلمية والأدبية والفلسفية، صراع بين الذات وكينونتها من أعمق المنجزات التي يمكن توقعها في الرواية المعاصرة اليوم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق