العام

رضا الحضرمي: الإعاقة البصرية ليست عائقًا أمام النجاح

نولد على اختلاف قدراتنا، وكما نؤمن جميعا بعدم وجود إنسان متكامل في كل الجوانب، لكننا دائما ما نحمل نعمًا تميزنا عن الآخرين. قابلت «التكوين» ذا الهمم العالية رضا بن يعقوب بن سيف الحضرمي، وهو من سكان ولاية سمائل، كفيفٌ فاقدٌ للبصر، لكنه يؤمن بالرضى لما قسمه الله له، ويتميز بالتفوق والصعود في سلم النجاح بشتى مراحل حياته. من مواليد عام 1988م، ويعمل كأخصائي إعلام في وزارة التنمية الاجتماعية. في حديث خاص حول هواياته وتجاربه في الحياة وكيفية تذليل الصعاب ومدى فائدة التقدم التكنولوجي في تسهيل أمور الكفيف، والكثير من التفاصيل في السطور الآتية.

حوار: أنوار البلوشية

ولدت كفيفاً، حدثنا عن تقبل الأسرة عند ولادتك وإدراكهم لحالتك، ومدى وعيها حول هذا الأمر، ثم كيفية تقبل الأقران حولك؟
كطبيعة أي أسرة بالضرورة تنتابها حالة من الحزن بولادة مولود كفيف، وترغب بأن يكون ابنها سليما معافى من أي علة أو إعاقة، وهي حالة غير متوارثة لدى العائلة، أي ظهرت لأول مرة في العائلة عند ولادة أختي قبلي، ثم ولدت أنا كفيفا. والدتي حزنت كثيرا لكنها قررت التغلب على هذا الأمر، بعد أن كبرنا قليلا أصبحت تتعامل معنا بشكل متساوٍ كإخواننا الآخرين المبصرين، لم تكن تفرق في المعاملة فيما بيننا، وذلك ما أدى إلى خلق جو من التقبّل لحالتنا في المنزل، ولم نشعر باختلافنا عن إخواننا الآخرين، فلم نلتمس شعور الشفقة داخل المنزل، وأحيي أسرتي على هذا الأمر، لأني أرى بأن هذا هو التصرف الصحيح، ومشاركة الابن الكفيف في كل أمور الحياة حتى يكون على دراية بها، وكيفية التعامل مع مختلف الظروف التي تواجهه في حياته اليومية. فالأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع، تقوم على تشكيل شخصية الإنسان، لذا يجب عليها الابتعاد عن الكبت وتضييق الخناق، وصقل الطفل بطريقة صحيحة، بمنحه الفرصة للإبداع خلال مراحل تنشئته الأولى، فالأسرة لها دور كبير في نجاح الفرد. ولكن يجب التنويه إلى أمر مهم، وهو وجوب امتلاك الأسرة مقياسا حسيا للشعور بالمعاق وحالته، ومراعاة الكثير من الجوانب، فعلى سبيل المثال الإعاقات تختلف حسب نوعها، وأيضاً هناك من يجمع بين إعاقتين في نفس الوقت، فلا يمكن أن نحمّل الفرد المعاق حملاً يفوق عن طاقته، ومراعاة الفوارق في الإعاقة بعدم تكليفه بأمر لا يستطيع القيام به. والأمر المهم الذي حصل معي هو ثقة أسرتي بي بأنني شخص قادر على الإنجاز والتعامل مع ظروف الحياة، فعلى سبيل المثال كانت والدتي تعتمد علي في إنجاز بعض المهام في المنزل، ووالدي كان يرسلني لشراء بعض الحاجيات من الدكان.
الخروج لأول مرة
بعد الطفولة، حدثنا عن الفترة الانتقالية من المنزل إلى البيئة المدرسية؟
فكرة البحث عن مدرسة مناسبة لنا أنا وأختي كانت تؤرق أسرتي بشكل كبير، فأخواني التحقوا بالمدارس العامة، فكان شغلهم الشاغل هو البحث عن مدرسة تستقبل ذوي الإعاقة البصرية، ولله الحمد تم افتتاح معهد عمر بن الخطاب للمكفوفين في محافظة مسقط بمنطقة المعبيلة الجنوبية، فالتحقنا بهذا المعهد أنا وأختي منذ الصغر، كانت أعمارنا تقارب حدود العشر سنوات حينها، وقبلها لم أدرس شيئا بسبب عدم وجود مكان يأوينا. بعد التسجيل تم قبولنا في المعهد عام 2001م، حزنت والدتي كثيرا، ابتعدنا عنها وانتقلنا أنا وأختي من سمائل إلى مسقط لنمكث في السكن الداخلي التابع للمعهد، عشنا مرارة الغربة بعيدا عن الأسرة والجو العائلي الذي اعتدنا عليه، ودخلنا في عالم مختلف نعتمد فيه على أنفسنا بشكل كلي في كل أمور الحياة، وأرى بأن هذا الأمر غرس لدي الثقة والاعتماد على النفس ، سواء من ناحية الدراسة أو الأمور الحياتية اليومية الأخرى بكل تفاصيلها من غسيل وتنظيف وغيره. وجودي في معهد عمر بن الخطاب كان مرحلة جميلة جدا.
حدثنا عن تفاصيل أخرى عن هذه المرحلة وظروف الدراسة والتعليم والذكريات التي تتخللها؟
تلقينا تعليما جيدا موازيا للتعليم الذي يتلقاه أي طالب في المدارس العامة الحكومية، ولكن الاختلاف الوحيد هي طريقة الدراسة التي كانت تعتمد على طريقة «برايل» في القراءة والكتابة، حيث تمت طباعة الكتب والمناهج بهذا الأسلوب، وتلقينا التعليم على أيدي معلمين ممتازين، كان المعهد يشكل بيئة مؤهلة لتعليم ذوي الإعاقة البصرية في جميع النواحي، بالرغم من كوننا من الدفعات الأولى التي التحقت بالمعهد ولكن بمرور السنوات كنا نلاحظ تقدم المعهد وتطوره حتى أصبح على ما هو عليه الآن من وسائل وإمكانيات متقدمة جدا بعد ظهور التكنولوجيا المتقدمة وتسهيل الكثير من الأمور. إضافة إلى دور المعهد في صقل مواهبنا، حيث أتيحت لنا الكثير من الفرص للمشاركة، واحتفلنا في العديد من الفعاليات كاليوم العالمي للعصى البيضاء، واليوم العالمي لذوي الإعاقة وغيرها من الفعاليات التي استمتعنا في إقامتها. وبسبب نظام الدراسة في المعهد فقد عشت تلك السنوات برفقة أختي التي تكبرني وهي كفيفة مثلي، والتحقنا بالمعهد سوية، فهي صديقتي التي لم تفارقني ولم أفارقها يوما، كان الارتباط بيننا وثيقا جدا، وللوالدة دور كبير في زرع هذا الشعور في نفوسنا أنا وأختي، فقد كنت أشعر بالمسؤولية نحوها بالرغم من أنها تكبرني سناً، ولكن شعور الأخ المسؤول اتجاه أخته وخوفه عليها لم يفارقني طوال وجودنا في المعهد، فأصبح المعلمون يدركون مدى قوة الارتباط بيننا. مرت السنوات الدراسية في المعهد حتى وصلنا الصف الثاني عشر وخضعنا للاختبارات النهائية ولله الحمد حصلت على نسبة جيدة جدا 91%.
بداية مرحلة جديدة
تكللت سنوات الدراسة في معهد عمر بن الخطاب بالكثير من التقدم والإنجاز والنجاح، ثم دخلت في مرحلة جديدة من تجارب الحياة.. حدثنا عنها.
النسبة التي حصلت عليها أهلتني للالتحاق بجامعة السلطان قابوس في كلية الآداب والعلوم الاجتماعية. وبالفعل تم قبولي للدراسة في الجامعة وكانت الحاضنة الوحيدة لي هي كلية الآداب، في قسم علم الاجتماع كتخصص رئيسي، ووقع اختياري للصحافة كتخصص فرعي، فالصحافة تخصص متجدد وحيوي، وطبيعة العمل فيه حر وغير روتيني، والعمل غير مقيد بوقت محدد. تخصص علم الاجتماع جميل، وكل من حولي شجعني على الالتحاق به بسبب ملاحظتهم مدى حبي للتعامل مع الآخرين، وإدراكي الجيد في طريقة التواصل مع مختلف الأفراد، فهو تخصص سهل لا تشوبه العراقيل. في بداية الأمر لم أدرك كيفية التنقل والتصرف في أروقة الجامعة، ولكن تبددت هذه المخاوف بعد أسبوعين فقط من التحاقي للجامعة، والأسبوع التعريفي ساعدني كثيرا في ذلك. حضرت المحاضرات كمستمع، ومن تلك المحاضرات ما كنت أقوم بتسجيلها لمراجعتها في وقت لاحق، ومن الصعوبات التي واجهتني في بداية الأمر هو كيفية الحصول على المادة العلمية، فبعض الأساتذة كانوا يملكون المادة في صيغة رقمية، وكنت أقوم بنقلها بسهولة في جهاز «برايل سينس» الذي نملكه، وساعدتني البرامج المتخصصة في قراءة الشاشة على استذكار المعلومات. قابلت في البيئة الجامعية مختلف الأشخاص، منهم من كان ينظر لي بشفقة، ومنهم من كان لا يعيرني أي اهتمام، وفئة أخرى كانت تتعامل معي بحدود الدراسة، وهناك من كان يفهم كيفية التعامل معي ككفيف وهي الفئة الأحب إلي، وكل ذلك يعتمد على مدى وعي وثقافة الشخص وإدراكه للأمور. مرت السنوات في الجامعة وتخرجت في عام 2017م، وبتوفيق من الله حصلت على وظيفة في وزارة التنمية الاجتماعية كأخصائي إعلام.
عين الكفيف الثانية
حدثنا عن تجربة الالتحاق بالوظيفة و اختيارك مجال الصحافة عوضا عن علم الاجتماع الذي يمثل تخصصك الرئيسي.
أحببت مجال الصحافة وأستمتع كثيرا في ممارسة العمل الصحفي، وأرى بأن تخصص علم الاجتماع هو الداعم الأول لي في عملي الصحفي، فهما مكملان لبعض. فور التحاقي بالوظيفة التمست القبول والرضى من قبل زملائي في العمل، ووزارة التنمية الاجتماعية معنية في خدمة ذوي الإعاقة، وأحييهم كثيرا حيث أخذوا بيدي بقوة، وشجعوني على العمل والعطاء، ودائما ما يرافقني المصور في التغطيات الميدانية. وأطمح في مواصلة الدراسة بإذن الله في المجال الإعلامي، وأكون محاضر في إحدى الجامعات، حيث أرى ميولي في المجال الأكاديمي بشكل أكبر.
حدثنا عن مدى فائدة التكنولوجيا في تسهيل أمور حياتك؟
التكنولوجيا بمثابة العين الثانية للكفيف، فقد أسهمت في توسيع مداركنا والحصول على وظائف في مجالات مختلفة، فقد توظفت كصحفي في وزارة التنمية الاجتماعية، أقوم بكتابة الأخبار والمواضيع الصحفية الخاصة بالوزارة، فلولا هذه التكنولوجيا لما استطعت القيام بهذا العمل، ففي السابق كانت الوظائف الخاصة للمكفوفين محصورة في عمل بدالة الهاتف أو كإمام مسجد، ولكن التكنولوجيا غيرت هذا المفهوم وفتحت لنا فرصا كثيرة، ولها دور كبير في تقدم المكفوفين من الناحية التعليمية والوظيفية، وفي تسهيل كل سبل الحياة من أبسطها كمعرفة الوقت والتاريخ إلى أكثرها تعقيدا. كل صعوبة يواجهها الإنسان يسعى لتخطيها وحلها، لذلك دائما ما تتبدد كل العوائق التي أواجهها في حياتي، ولا أتذكرها فور انقضائها.
جمعية النور للمكفوفين
هل للجانب التطوعي حيز ودور في حياتك؟
التطوع من الأمور التي حثنا عليها ديننا الإسلامي الحنيف، وهو أمر ذاتي ينبع من الداخل، ومن بدأ في الجانب التطوعي لابد أن يكمل المشوار فيه ولا يتركه عند منتصف الطريق، انضممت لجمعية النور للمكفوفين منذ أربع سنوات في الإدارة، وحاليا أشغل منصب نائب رئيس لجنة البرامج والأنشطة، وأسهمت معهم في الكثير من الفعاليات الإعلامية، وإعداد كتيبات بسيطة لملتقى العصا البيضاء، وملتقى المرأة الكفيفة، ولله الحمد حققت معهم إنجازات كثيرة ولازلت أتعلم من مشاركاتي التطوعية. الجمعية هي همزة الوصل بيننا نحن المكفوفين وبين الجهات الحكومية والخاصة الأخرى، وتقدم الكثير من التسهيلات للكفيف، كالمخاطبات الرسمية، وتوفير الأجهزة للكفيف بما يتناسب مع احتياجاته في كل أرجاء السلطنة، كالعصى البيضاء وأجهزة الكمبيوتر، وجهاز الحاسب الآلي، وبرايل سينس، وكل ذلك توفره الجمعية بالتعاون مع مؤسسات القطاع الخاص التي تدعم الجمعية. والجمعية لها دور كبير في إتاحة الفرصة لممارسة الهوايات وإقامة الفعاليات المختلفة وتطبيق كل ما تعلمته، وللجمعية دور كبير في تهيئة الأماكن العامة من حيث الإرشادات وغيرها، كانت لنا تجربة طباعة القوانين والتعاقد مع المطاعم لطباعة قائمة الطعام التي تساعد المكفوف على قراءتها، وتسعى كذلك لتسهيل نقل ذوي الإعاقة، وذلك بالتعاون مع شركة مواصلات للنقل، وغيرها الكثير من الجهود.
ختاما..
أوجه كلمتي للشباب العماني، من أراد الوصول فبالجد والاجتهاد حتما سيصل، ويجب السعي خلف ما يطمح إليه. ورسالتي التي أوجهها للمجتع، إن الكفيف يستطيع الوصول إلى الكثير من المراحل وتحدي المعوقات التي يواجهها في الحياة لذا يجب الوثوق بنا وإتاحة الفرصة لنبرز قدراتنا بشكل أكبر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق