العام

مصابون بالإيدز: المــــــوت يترصدنا كل يوم

كانت تحاول جاهدةً إخراج زوجها من مِقصَلة الإدمان، استخدمت كل الوسائل الممكنة لعلاجه، لم تترك موقعاً لتأهيل المدمنين في الإنترنت إلا ودخلته، نشطة ومتفاعلة في العديد من المنتديات الإلكترونية الحوارية التي تُعنى بمساعدة المتعاطين، لعلها تجد خلاصاً لزوجها؛ كان هذا حالها قبل سنتين، أما الآن فهي تخضع للعلاج من مرض نقص المناعة المكتسبة «الإيدز».

التكوين: أحمد بن سيف الهنائي

تعيش «ميمونة» صراعاً نفسيا مع المرض، تندب حظها حينا، وترضى بمآلها حيناً آخر، إذ لا تملك سوى التسليم بواقع الحال وإن «أشرقت الآمال بتطور الطب، بيد أن الأجل يدنو في حال الارتهان المطلق لهواجس النفس وظنونها» على حد وصفها.
في بعض الأحيان تشعر أنه الأكثر تماسكاً من أقرانه الأربعة الذين شكّلوا «زمالةً» خاصة للمصابين بهذا الداء، ورغم عنايته الفائقة بهندامه وممارسته لحياته بشكلٍ يبدو وكأنه طبيعياً، إلا أنه سرعان ما ينهار عندما يتحدث عن مرضه، وهذا هو ديدن جميع من التقينا بهم، وليس حال «حمدان» فقط.
«نحن مهزومون من الداخل.. ومأزومون في محيطنا الاجتماعي» هذا هو لسان منطق الكثيرين منهم، إذ يقول «علي»: نعم أخطأت وارتكبت جرماً فادحاً بإقامة علاقةٍ غير شرعية، وها أنا أدفع صحتي وراحتي ثمناً لها، ولكن المجتمع لا يحق له أن يحاكمني بناءً على قناعاته، منذ أن ذاع خبر إصابتي بالإيدز -رغم أن أهلي أشاعوا بين العامة مرضاً آخر درءاً للفضيحة وفق منظورهم الخاص- حتى أضحت تطاردني النظرات الملأى بالازدراء، وكأنني أصبحتُ أسوأ مخلوقٍ على وجه الأرض.
الأمر ذاته تكرر مع «سامي»؛ الذي بادر إلى حزم أمتعته فور عِلمه بإصابته بهذا المرض، أدرك أن خيار السفر والغربة سيخفف من عبء الضغط النفسي جراء النظرة الدونية التي يتعرض لها من قبل المحيطين به، غير أن عزيمته تلك تلاشت أمام عطف أمه التي طلبت منه أن يبقى إلى جوارها، لكن أحداً من إخوته الذكور لم يتحدث إليه منذ أن علموا بنبأ إصابته.
أن تواجه الموت أسهل بكثير من أن تخرج إلى مجتمعك لأجل ممارسة حياتك الطبيعية، بتلك الكلمات أرادت «ميمونة» أن تختصر واقعها الاجتماعي المتأزم، فتضيف: «فوق الألم النفسي والجسدي الذي لا تستطيع احتماله، تجد نفسك محاصراً ببؤس ثقافة مجتمعك التي ترى الناس جميعا ملائكة، والمصابون هم وحدهم الشياطين على وجه البسيطة».
يتأفف «حمدان» كثيراً وهو يسرد معاناته مع بعض الحمقى، ممن نزع الله من قلوبهم الشفقة وحرمهم قيمة الذوق وبراءة اللطف، فيقول: ذات يوم ذهبت إلى الحلاق المفضل لدي، ما إن صعدت إلى الكرسي حتى سرح خيالي طويلاً إلى لحظاتٍ جميلة يعيشها كل من هم في مثل حالي، حتى قطع خيالاتي أحدهم وهو يتحدث بصوتٍ خافت إلى من يجلس بجواره (تراه هذا عنده الإيدز، شوفه بعده كيف يهتم بشكله».
يعود «علي» مجدداً للحديث عن فرص النجاة، قائلاً: «المستشفى يعتني بنا جيداً، وكثيراً مما نعرفهم يخفون مرضهم الحقيقي، وهو ما ساعدهم على مجابهة المجتمع، وأظن أن هؤلاء هم الأطول عمراً، إذ إنهم غير قلقين لمواجهة الآخرين، كما أن جلسات العلاج والتهيئة النفسية تزيد من فرص بقائنا على قيد الحياة».
نعم؛ البقاء على قيد الحياة، هو أكبر هاجسٍ يعيشه الحامل لهذا الفيروس، لا يستطيع الانفكاك من التفكير به ليل نهار، بل إن «ميمونة» تقول: في أغلب أوقات يومي لا أستطيع طرد هذا الشبح المخيف من مخيلتي، خصوصاً بعد أن سلك زوجي -رحمه الله- هذا الطريق قبلي، كان وضعه كارثياً، اجتمع عليه مرض الإدمان والإيدز معاً، بيد أن غيابه عن الوعي أحياناً خفف من وطأة القلق النفسي في ترقب الموت، ومن يقضي يومه رهين هذا الانتظار فهو خارج نطاق الحياة لا محالة».
في حوارنا معهم تجنبنا الحديث عن الموت، لكن الجميع اتخذ منه مركزاً لكل انطلاقةٍ في الحديث، إذ يصفه «حمدان» بالعقاب الإلهي على كل الخطايا: «أكبر عقاب من الممكن أن تواجهه في حياتك هو أن تدرك أنك ميتٌ لا محالة، وأن الصباح إن مرَّ بسلام، ففي المساء المزيد من اللواعج التي لا تهدأ». ويحاول «سامي» أن يتناسى هذا الأمر ويغلّب الأمل، لكن النفس ضعيفة ومنقادة لصوت الحقيقة، فيقول: أخبرتني الدكتورة أن هذا المرض يَقترب تصنيفه حالياً من الأمراض المزمنة، لإمكانية إطالة فترة الحياة لسنين طويلة، لكني لم أستطع أن أجزم بذلك، وبقيت أسيراً لفكرة الموت. أعيش حالياً في تواصلٍ جيد مع خالقي، لعلّني أكّفر عن كل ما أذنبت وأجرمت في حق نفسي، وما يهوّن عليك أن رحمة الله أكبر من كل شيء، غير أن الموت مخيفٌ جداً».
رغم غرابة الفكرة، يصر «علي» أن يجعل كلماته هذه بمثابة الوصية لابنته، ويحدونا الأمل في أن تكبر «زهرة» وتجد أباها إلى جوارها يتمتع بكامل صحته، وأن فيروس المناعة المكتسبة قد خسر الرهان أمام تقدم العلم ونجاح الأطباء والباحثين في القضاء عليه، وهذه كلمات أبيها المرسلة تقطر أملاً: «ابنتي الحبيبة، لا أعلم إن كنتُ أتنفس الهواء عندما تكبرين وتتمكنين من القراءة بوعي وإدراك، لا تزالين الآن في سنينك الأولى، فقط تذكري أن أباكِ لم يكن سيئاً، ومهما تسمعين من كلماتٍ نابيةٍ عني، فأنا أحبك، ولست سوى بشرٍ يخطئ ويضعف، اغفري لأبيك كل أخطائه، وهو يحلم ويدعو ربه أن يكبر معك، وأن يعيش لأجلك».
وللوقوف على بعض التفاصيل، تحدثنا إلى د. نوال بنت ناصر بن صالح المحيجرية (طبيبة نفسية- تخصص دقيق في مجال الطب النفسي الجسدي بالمستشفى السلطاني)، التي أشارت إلى أن تقدم الطب أسهم في إطالة عمر المصابين، إذ تقول: «نلاحظ في السنوات الأخيرة زيادةً في متوسط العمر المتوقع لمرضى الإيدز، وذلك نظرا لتوفر وسائل العلاج المتقدمة».
غير أنها تؤكد بأن للمرض توابعَ أخرى فتقول: «ترافق المصاب بفيروس نقص المناعة المكتسبة عدة أمراضٍ عصبية ونفسية ملازمةٍ له، وذلك نتيجةً لــ التأثير المباشر لفيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، وما يتصل به من تأثيرات وضغوطات نفسية واجتماعية هائلة، كما أن طبيعة الأدوية وطرق العلاج المستخدمة لها تأثيرها في زيادة حدة الجانب النفسي والعصبي».
وتكمل المحيجرية: «وبحكم تخصصي الدقيق في مجال الطب النفسي الجسدي فإن مرضى الإيدز يصنفون من ضمن فئة المرضى التي أعاينها وأقوم بعلاجها في المستشفى، وقدمت العديد من الجلسات النفسية لهم، وكم أشعر بمعاناتهم الكبيرة في مواجهة هذا المرض المؤلم».
وحول مدى تأثير الجانب النفسي في تعجيل الوفاة أو تأخيرها، تقول: «أثبتت الدراسات بأن الأمراض العصبية والنفسية المصاحبة لمرض الإيدز تزيد من معدل الوفيات لمرضى الإيدز، وبالتالي وجب التركيز والاهتمام بعلاج الجانب العصبي والنفسي، والذي عادةً ما يكون مصاحبا لمرضى الإيدز بنسب كبيرة مقارنة بأقرانهم من الأصحاء، وأخص بالذكر الأمراض المزاجية التي تتراوح نسبتها ما بين  ٢% إلى ٢٢% عند هذه الفئة من المرضى».
وتضيف: «مريض الإيدز يحتاج للدعم النفسي وقبوله في محيط مجتمعه الأسري والمجتمع بشكل عام، وتَفهّم وضعه الصحي الخاص، وفي معظم الأحيان من الصعب وجود مثل هذه البيئة الداعمة والمتفهمة في مجتمعاتنا المحافظة مقارنة بالمجتمعات الغربية، ولكن من الممكن تكوين مجتمعات صغيرة مشكلة من مجموعة من مرضى الإيدز بوجود طبيب أو أخصائي نفسي يقدم لهم الدعم والإرشاد النفسي والسلوكي المطلوب للتعايش مع هكذا مرض».
تختم المحيجرية حديثها قائلةً: «نصيحتي لكل مصاب، أن يتقيد بإرشادات الطبيب الباطني المختص بعلاج هذا المرض، خصوصا وأنه مرض مزمن ومضاعفاته متعددة ومتنوعة، فالحرص على التقيد بالعلاج اللازم واتباع إرشادات الطبيب المعالج والتثقيف الذاتي عن هذا المرض بشكل عام من أهم الخطوات التي يجب على المريض أن يتبعها، ولزاماً، عليه أن يحافظ بدقةٍ على مراجعاته الدورية لعيادة فيروس نقص المناعة البشرية، كما يجب تنبيه الطبيب المعالج على أي عرض عصبي ونفسي يطرأ على حالته، ليصف له العلاج المناسب في الوقت المناسب من قبل المختصين، وأخيراً على المصابين أن يوطنوا أنفسهم على مواصلة تلقي الدعم النفسي والاجتماعي المناسب من ذوي الاختصاص، ومحاولة تكوين مجموعة اجتماعية داعمة نفسيا في محيطهم المجتمعي إن أمكن».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. السلام عليكم
    ميمونه كانت ضحيه بسب اولا الوازع الدين نعم يصلونووو
    ولكن ثقتهم بالله الا من رحم ربي
    ثانيا البيئه والمجتمع لا يرحم
    والسنه الناس والمعتقدات والاصول ولازم الاهل هم الى يتشرطو وابضغوطات العمليه والعلميه وهو يختارو لابناءهم ويش تطلع بسبب الغير ولد فلانه ولا تلك ووووووجعل والنت المفتوح بدون مراقبه اهليه اولا ووهو اياس البلاء ولكنه نعمه لفئه كبيره والخمد الله لمن ابتلى فالله يحبه لاسباب ويبحث عن الذنب اوفالانسان يستطيع يقيم ايات الله عظيم والكمال لله

    قال تعالى
    حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبو

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق