السياحي

إعادة تأهيل واستخدام استراحة ستوبلير بالأقصر

من المشاريع المرشحة لجائزة إيكروم- الشارقة

ترتبط استراحة ستوبلير في الأقصر بتجربة فكرية ومعمارية متميزة للمعماري المصري الكبير حسن فتحي (23 مارس/آذار 1900 – 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1989)، الذي يلقب بمهندس الفقراء، فقد صمم هذه الاستراحة لأحد المستشرقين العاملين في مجال ترميم آثار مدينة طيبة الجنائزية في منتصف القرن العشرين لتصبح مركزاً مهماً ارتبط بالحفاظ على آثار المنطقة وتحولت إلى واحدة من المحطات الأساسية لنقل خبرة العلماء المستشرقين في مجال التوثيق والترميم الى الكوادر المصرية.

 

على الرغم من أهمية الاستراحة على الصعيدين المعماري والتاريخي وما تحمله من قيم ومعان تاريخية ومعمارية، فقد ظلت لعقود طويلة شبه مهجورة ومجهولة وعانت من الإهمال، وتدهورت البنية الانشائية لأجزاء كثيرة في الموقع مما كان ينذر بمزيد من التدهور. وقد دفع هذا الأمر مركز طارق والي العمارة والتراث إلى إطلاق مبادرة طموحة، بالتعاون مع وزارة الآثار المصرية، لحماية وإعادة احياء هذا الصرح المعماري الكبير وإعادة تقديمه في صورة معاصرة، دون أن يتم إهمال التراث الذي تمثله تلك العمارة.

وتم تنفيذ هذه المبادرة ضمن مشروع الحفاظ على جبانة طيبة وتطبيق تقنيات التوثيق الأثري ثلاثي الأبعاد عالية الدقة، وهو الأول من نوعه في مصر. ويهدف إعادة تأهيل واستخدام استراحة ستوبلير إلى: تحقيق التوازن بين احترام الموروث التاريخي من جهة والتطلع إلى المستقبل من جهة أخرى؛ والجمع بين الحفاظ على نموذج لعمارة تراثية واستمراريتها المادية والثقافية، وتفعيل دورها في الحفاظ على التراث الشعبي للعمارة، وبشكل خاص الموروث المعماري للراحل حسن فتحي.

ويحتل إعادة تأهيل الاستراحة والحفاظ على قيمتها المعمارية والتراثية أهمية خاصة حيث يمثل التجربة الأولى والوحيدة في الحفاظ على موروث المعماري حسن فتحي، والتي استعادت تجربة الاستراحة بصورة معاصرة تتمثل في نقل الخبرات العلمية الحديثة في مجال التوثيق والحفاظ على الآثار إلى الكوادر المصرية؛ لتكتمل التجربة سواء في عمارة المبنى من خلال الحفاظ عليه وترميمه بمنهجية علمية أو في تقديم تجربة المحتوى الأصلي بصورة معاصرة.

بعبارة أخرى، تتعدى رؤية الجهة المنفذة لمشروع إعادة تأهيل استراحة ستوبلير والمواقع ذات القيمة التاريخية والمعمارية بشكل عام، حدود المفاهيم التقليدية لكل من: الترميم بوصفه استعادة الوجود المادي المتدهور للمواقع، والحفاظ بوصفه العمل على استدامة الوضع المادي القائم واستمراريته للأجيال القادمة؛ حيث تمتد رؤيتها لتشملهما معا، في تزامن محسوب مع استحضار القيمة التاريخية والمعمارية للموقع، والعمل على وصل ماضيه بحاضره بصورة تضمن الاستمرارية المادية والثقافية، دون الحاجة للمفاضلة بين حماية الموروث للأجيال القادمة وتحقيق المعرفة للأجيال الحاضرة.

 

من هنا يمكن القول إن رؤية الجهة المنفذة للمشروع في إعادة تأهيل استراحة ستوبلير تقوم على هدفين رئيسيين: الأول هو ضمان الاستمرارية الثقافية وذلك بالكشف عن القيمة التاريخية للموقع وتطور عمارته وعمرانه وعلاقته بالمجال العمراني المحيط به، والكشف عن الرسائل الثقافية التي قدمها هذا الموقع في زمانه، وتوقع الممكن تقديمه للحاضر وفي المستقبل؛ والثاني ضمان الاستمرارية المادية، وذلك بتبني وسائل استعادة الوجود المادي الأصلي واتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف العوامل التي تهدد سلامته واستمراريته واتخاذ التدابير الوقائية لمنع حوثها مجدداً في المستقبل .

ولتحقيق ذلك تم إجراء مسح شامل أولي للموقع قبل البدء بالمشروع لتحديد الأضرار التي تعرضت لها الاستراحة لعقود ماضية، والتهديد الذي تسببت به للاستراحة نظراً للطبيعة الخاصة لعمارتها، بما في ذلك حالة التربة والأساسات، والجدران، والأسقف، ومواد البناء المستخدمة من الطوب واللبن والأخشاب، إضافة للتشطيبات الداخلية والمرافق والبنية الأساسية والتغذية والصرف.

 

وبناء على نتائج المسح الشامل الذي قام به فريق المشروع، تم تحديد أهم التدخلات المادية لحماية المبنى والحفاظ عليه وكذلك موائمته لإعادة التأهيل بما يلي: تدعيم الأساسات والتربة المحيطة، إعادة تدوير الطوب اللبن والبياض الداخلي والبياض الخارجي، تدعيم ومعالجة الجدران والقباب والقبوات، تدعيم ومعالجة الاسقف الخشبية، معالجة التدخلات والإضافات السابقة على عمارة المبنى، رفع كفاءة التشطيبات الداخلية والخارجية والأرضيات، معالجة الفتحات واستبدال اعمال النجارة للأبواب والشبابيك، رفع كفاءة المرافق والبنية الاساسية القائمة، وتدخلات اعادة تأهيل المبنى للوظيفة المستحدثة، ورفع كفاءة المنطقة المحيطة واستكمال أعمال تنسيق الموقع.

بالمحصلة، يمكن القول إن مشروع إعادة تأهيل استراحة ستوبلير حقق الاستمرارية الثقافية والمادية، كذلك استمرارية المشاركة المجتمعية سواء من خلال إعادة تواصل أبناء المجتمع المحلى بتراثهم ومشاركتهم في الحفاظ عليه كموقع تراثي اثناء اعمال الترميم، أو من خلال التدريب اثناء العمل وأنشطة التدريب الأخرى المتعلقة بالتوثيق الرقمي والذي نتج عنه فريق عمل مؤهل لمشروعات مماثلة في المستقبل، الأمر الذي أهله ليكون ضمن القائمة القصيرة للمشاريع المرشحة لجائزة إيكروم الشارقة للممارسات الجيدة في حفظ وحماية التراث الثقافي في المنطقة العربية في دورتها الحالية، التي سوف تختتم في العاشر من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الحالي.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق