مقالات

زوالُ المِحن دروسٌ وعِبر

محمد بن سليمان الهطالي

msk105175@gmail.com

تلتفت وأنت تدخل المركز التجاري يمنة ويسرة بعد أن يكشف عنك جهاز الحرارة ويسمح لك المكلف بالمتابعة بالدخول لترى الوجوه المغطاة بوشاحات الحذر التي تُحزم جيداً وتُلف حول الأذن لدرجة أن خيوطها بدأت تصنع قنواتٍ على الوجوه العابسة، كل منا أصبح يحذر من الأخر يتوجس بداخله شيئاً من القلق، نتحاور من أبعد نقطة ممكنة حتى السلام أصبح خافتاً بالكاد تسمعه ربما إشارة خفيفة بالرأس تعبر عن السلام لصاحب تجده أو أخ أو صديق، ماذا حل بنا ما الذي يجرى في هذا الكون سؤالُ نطرحه على أنفسنا بشكل يومي، كم من الناس قد رحلوا وكم منهم قد وقع تحت وطأة المعاناة.

ابتعدنا عن الأهل والأصدقاء وانعزلنا بين الجدران، تصريحاتٌ تحوم حولنا من كل مكان من الداخل ومن الخارج تارةً ينحسر وأخرى يرتفع مرةً نسيطر وأخرى نفقد، ألهذه الدرجة أصبح العالمُ قريباً من بعضه؟ تحورٌ جديدٌ للفيروس نسمعه اليوم نجده في الغد بيننا، رموزاً كنا نقرأُها بمتعة في المواد الدراسية أصبحت مخيفة هذه الأيام؛ فقد حضر ألفا وجاما والأخ الأخطر دلتا ونسخاً أخرى ربما أشد فتكاً.

آه منك يا ابن خلدون من أخبرك عندما قلت في مقدمتك أن هناك علاقة بين التقلبات السياسية التي يشهدها العالم وظهور الأوبئة والكوارث والمجاعات، هل هو كما تقول الكيد السياسي الذي يدفع ثمنه البشر وتزول به الأمم أم أن كلامك ضرباَ من الخيال ولا ينطبق على الواقع والحال، تاقت نفوسنا للحياة واشتاقت أيادينا لتلامس أيادي الأصدقاء، تُهنا في زحمة الإعلام بين من يشجع اللقاح وبين من ينسبه للمؤامرة والسياسة ومن يراه نهباً للمال، تزاحمت التصريحات والنشطاء أصبحوا أطباء يصفون لنا الدواء ويمنعون عنا الداء، يدحضون كلام الأطباء بشواهد وأدلة يجمعوها من الفضاء، وآخرون يديرون الأزمات وينادون بالفتح والإغلاق حتى غدت لنا الحياة على كفوف هؤلاء ونحن حيرى ننتظر الخلاص.

عدنا إلى كتاب الله عندما أمرنا لنكون على أهبة الاستعداد فلا يشفع لنا إلا العمل الصالح والخير الذي بذرناه في البلاد، ولنتعلم من دروس الحياة إن أهم نقطة من كل هذا ومن ما نثرته من عباراتٍ أعلاه، ماذا تعلمنا؟ ماذا استفدنا؟ من كان يخيل له يوماً مع هذا التقدم العلمي الساطع أن يقف العالم مكتوف الأيدي أمام هذا الفيروس البسيط الدقيق أليس قول الله تعالى (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) هو الصواب أليس (وخُلق الإنسان ضعيفا) هو الجواب، هذا ما يجب أن نتعلمه أن رحمة الله فوق كل شي، وعلى الإنسان الأخذ بالأسباب فيحذر ويتداوى ويحمي نفسه قدر الإمكان ومشيئة الله فوق كل شي.

إن المجتمعات الناجحة على مر العصور هي التي تتعلم الدروس من الأزمات وتحول المحن إلى منح ومن هنا فإن هذا الدرس يجب أن لا يمر مرور الكرام وأن تتداركه الأمم وخاصة تلك التي تعتمد على غيرها في أبسط الأشياء؛ فيجب عليها أن تعلم أن في وقت الأزمات كل أمةٍ تُقدّم نفسها على غيرها وهذا أمرٌ طبيعي، لذا فإن الأمم الناجحة بعد الخروج من أي أزمة تسطر قائمة من النقاط تحوي أبرز ما ظهر لديها من نقاط الضعف والقوة والفرص والتحديات وتبني الخطط وتضع الأهداف طويلات الأمد والقصار تقوي بها خطوط الهجوم والدفاع حتى لا يتكرر ذلك.

الأمة التي تبني نفسها وتجمع بقايا الأزمات ومخلفات الدمار التي أحدثتها لتصنع بها مساراً جديداً لمستقبل الأيام هي الأمم القوية الصامدة، فليست الأيام كلها متشابهة وليست كلها يسيرة ويجب أن نكونَ على أهبة الاستعداد لأن إدارة الأزمات بردة الفعل لا تُجدي نفعاً بل تُرهق الأنفس والمال، إن ما نسطره من كلمات لعلها تكن شاهداً ودليلاً تهتدي به الأجيال يستفيدون من عِبرها؛ فكم من أزمات مر بها العالم تناساها وقت الرخاء وبات ينظر لنفسه أنه قد ملك العالم بما فيه حتى تأتيه أزمة مباغتة تكسر البرهان، ليست الحياة سوى معانٍ جميلة وهبها الله لنا لنستمتع بها ويجب علينا التفاؤل بأن الله قادر على كل شي وعلى زوال كل سوء وفي لمحة عين، وعلينا أن لا نخسر الرهان بزوال الهمم والآمال، ولنمض معاً بحذر وندرك الخطر ولا نستهين به حتى ينحسر ويزول وتعود الحياة لطبيعتها وندعو الله دائماً أن يحفظنا وأوطاننا وسائر بلاد العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق