مقالات

 في المسألة الإبراهيمية “تمحيص وبيان”

  

د. علي بن راشد المديلوي

 

  عندما تنادي ويسمع صوتك فذلك خير وأبقى، وما تبذله لمحيطك من نصح ومناصحة وفهم ومفاهمة، وتوضيح وإيضاح وتبيان وبيان. إن جل الأمر أن يصل المراد وأن يُتقبل منك ذلك. وأردف أيضا أن الأمر برمته ما كان له أن يتطور إلى هذا الحد من الغثيان والإسفاف الممقوت، لو أن الأمور أخذت منحى آخر؛ وتدارك الأمر في بدايته، ودُرست المسألة من منطلقاتها، ومقاصدها وسبل وجوبها ونهايات غاياتها. فإن المسألة في طياتها تحمل الكثير من السقوط والتداعي والانحدار لمستويات من التردي الغير محمود العواقب. كما إن بذرة تذويب فوارق القيم والأخلاق وتمييع الهوية العربية الإسلامية بدأت في الذوبان كما هو مشاهد في الانعتاق غير المبرر من القوانين والأعراف المتخذة لمجاراة الوافد الجديد.

  أسوق ما أسلفت.. وقلبي ومنى خاطري، وبهجة عمري ألا يفسر الأمر على غير ما يبتغي المرء من ذلك؛ وألا يحمل النص ما لا يحتمل. إلى أين سيأخذنا هذا التيار الجارف!  لقد سبق وأبديت ماكنت أخاف منه، لقد سبق وبينت أن هذا الأمر يجب أن يتدارك وإن يكون للعقلاء كلمة؛ وقتها حذرت من طوفان مقبل وهو حقيق. ومن رياح مقبلة وقد هبت علينا دون استئذان، ومن زلزال سيحدث لبيتنا الخليجي الهادي الآمن الوادع، ومن هزة يتبعها شرخ من بعدها دمار وخراب.

  إن ركب السفينة ما زالوا ممسكين بدفتيها وحبال النجاة، ولكم أن تتصوروا إن حادي الركب، ماهر في اللج، وله رسوخ قدم في الملمات وباع في المدلهمات؛ ولكن إلى أين المسير! ونحن نجدف بين أمواج عاتية، وأصوات لها هدير تأتيك من بعيد مخيف حالك الظلام.

  إن مسائل التقارب والتآلف بين الشعوب هي من صميم تعاليم ديننا الحنيف، وهي من مفردات خلق المسلم ومكونات نفسه السوية، إن مفاهيمنا للتقارب بين الأديان وبين الأمم المختلفة تتجاذبها منذ عقود الاطروحات المختلفة، والأفكار المنحرفة، والرؤى الضبابية غير الناضجة؛ لأنها ولدت في مخاض عسير. ومن حمل أكاد أجزم إنه حمل سفاح؛ فحين يكون الحمل سفاحاً؛ فإن الجنين يكون إما مسخاً أو حملا مشوهاً، يحمل صفات وجينات آبائه وصبغات أهله وذويه.

  إن مسألة التقارب والحوار بين الأديان والتآلف بين الشعوب كما أريد لها أن تولد، هي مسألة برزت على السطح في زمن وقعت فيه الشعوب العربية والإسلامية في ربقة الأسر. وأٌخذ الجمع على حين غرة، في فترة أريد لهذه الأمة أن تؤصم بالإرهاب، وأن تؤخذ بجريرة اتباعها وإن تبين لهم إنهم قلة لا يمثلون إلا فكراً شاذاً واسلوب لنشر الإسلام عقيم. وأن تكون في مرمى النيران ومدافع الحقد والطغيان لتركيعها؛ وإدخالها في مسارات العولمة وبيئات الثقافة المتحررة ومتطلبات التحضر وأروقة الديموقراطيات. وأن تبتلى بالمصائب التي بُيتت لها بليل شديد الحلكة، وأن يتحمل جسدها عضات كلابها المسعورة وسموم أفاعيها ولدغات عقاربها صباح مساء. هكذا هو الحال الذي وصلنا اليه منذ أن تداعت علينا (الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها) وهو خبر أخبرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم منذ 1400 عام. هكذا بدأنا حين وصل إلينا منادي التقارب بين الأديان واحتضان الآخر وتذويب الثقافات.

  وهكذا أصبحنا حين اتخذنا دين أخر أسميناه دين إبراهيم أردنا أن نتقاسمه مع إخواننا من اليهود والنصارى. دين يقربنا كما نزعم ولا يفرقنا كما نظن. دين ارتضينا له ابراهيم الخليل كعروة وثقى لا انفصام لها. إبراهيم الذي يتربع عند اليهود كمؤسس لديانتهم وأباً لهم وقائد ملهم لأنبيائهم كما جاء في كتبهم وتصورات توراتهم. إبراهيم الذي نجده عند النصارى قدوة ونبراساَ ومصدرا لسمو تعاليم السيد المسيح كما تحدثنا عنه أناجيلهم. وحين تجاذبته اليهود والنصارى كل يدعي وصلا به وهادياً ومعلماً لديانته.

   أتانا خبره من العزيز الحكيم في كتابنا الكريم الذي “لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ” (فصلت:42). فقد قال رب العزة والجلال في شأن نبينا إبراهيم. عندما بدأت مناداتهم ومحاجتهم بإبراهيم نسباً وانتسابا فقد قال الله في مسألة إبراهيم. “يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ” (آل عمران:65). فقد نفى الله موضوع المحاججة، والخصام الذي وقع بينهم في شأن إبراهيم، وأخبرهم بأن مبعثه ودعوته متقدم على كتبهم وما جاء في توراتهم وأناجيلهم جميعها. وختم قوله تعالى بكلمة “أفلا تعقلون” فهل لذي عقل وذي لب وذي بصيرة أن يقول مثل ما تقولون.

  وأخبر أيضا في مسألة إبراهيم بأنه لم يكن يهودياً كما يدعي اليهود ولا نصرانياً كما يدعي النصارى، ولكن كان حنيفاً مسلماً ولم يكن من المشركين. “مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ” (آل عمران: 67). أي إن إبراهيم لم يكن يهودياً كما أدعى اليهود؛ ولا نصرانياً كما أدعى النصارى؛ ولكن كان حنيفا مسلما ولم يكن من المشركين. فأي بيان أوضح من بيان الله في إبراهيم. وأي حجة بعد قول الله فيه. فهل يعقل بعد كل هذا البيان أن نشرك إبراهيم في اقوام نفى الله صلتهم به، ونقول: “تعالوا نتشارك في إبراهيم ليقربنا ببعضنا ويكون منبراً نرتقي عليه لتذويب هويتنا في هذا الدين الجديد”!

  وعندما يتعهدنا الآخر قيمنا ومعتقداتنا ويرسم لنا مساراتنا الثقافية بكل صفاقة من خلال أطروحات تجفف منابعنا وتحولنا بأساليب ماكرة وخبيثة إلى عالم أخر من التفسخ والانحلال، وبخطط واستراتيجيات مدروسة تُعد في مراكز علمية وأمنية لديهم، فإن الأمر ينطوي على خلل يأخذك إلى متاهات، قد تهوي بك إلى منحدر سحيق.

  مازلنا في غفوة عن كل ما يدور حولنا او ربما قيلولة تأخذ منا الوعي والادراك تمسك بأهداب أعيننا لتسحبها وتريحها بعيدا عن الهم والأسى. ولا نقول قد أخذ السبات منا مأخذاً، فحري بنا أن نفيق قبل فوات الأوان.

   فلنتدارك الأمر قبل الولوج في المتاهات، وقبل أن تأخذنا الدروب إلى مزالق المنعطفات. ولننظر لهذه المسألة بعين الحذر المريب. فإن القافلة تسير والركب عليها لا يدري إلى أين المسير!

 تتجاذبه الدعوات المختلفة، وتتقاذفه التيارات المتباينة، تأسره خطب الثناء وأقلام الواهمين، وترعبه خطوات الانصهار وتقارب المسافات، تطربه نغمات الحب وأناشيد السلام، وتفزعه خيالات العنف وكوابيس والدمار.

   فهل آن الأوان أن نستفيق من هذا الواقع المرير؟ وأن ننظر للأمور بعين الحكمة، وعقل التدبر ويقين الثبات؟

 فلابد لليل أن ينجلي، ولابد للظلمة أن تنقشع، ولابد من بزوغ للقمر.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق