مقالات

في “بيت الداخل” للقاء ولد رمثة

النسخة الشعبية للملك الضليل

حمود بن سالم السيابي
———————————

هذه “الحبيك” والدروب التي خاتلتها الخطوات على العهد بها خضراء كقلوب الناس.
وهذا “بيت الداخل” وهو على العهد به قصيدة من الزمن الجميل الذي لا يمل ، وجدارية من المخمل تعلق عليها سرور المسبعات وفاء لأبي المسبعات.
أقف أمام بيت سالم بن ناصر العطابي الغافري ولد رمثة أتلمظ “طَفَال” جدران الطين المعجون ب”فرَّاخ الهوى” وأشم العطر العالق في خشب الباب بعد غوايات ولد رمثة مع الظباء “لابسات المقتَّل” و”شكِّ الزمرد” و”ناشرات الشيلات على الصدور” في “سكيكة الحيلي”.
أماشي شوق النخيل وصمت السعفات الطوال وقد انحنت في حضرة الشعر ، فأنا أتحدث عن ولد رمثة وأتأبط كتاب مسبعاته وأدحرج مئتي عام من القوافي بمذاقها القديم ورائحتها الأولى كما جمعها الدكتور سيف الرمضاني من صدور الرواة وأبناء الرواة ليعيد للرمسات قمرها الغائب وللكاسر والرحماني “حكم الهوى”.
أسائل الشامخ الشعري السروري ولد رمثة عن برود جدران بيت الداخل فتبكي قوافيه بأن الرجال الذين “حداهم حادي البين” تفرقوا أيدي سباء :
“حّدْ منهم في السواحل ما يْسُمْعوا الصوتْ
وحَدْ منهم في الجريزة قابضين الكوتْ
وحَدْ منهم في المداينْ ساكتين سكوتْ”.
نقترب من مسجد “الزريب” وقوافي ولد رمثه تتراسل مع خاله في الرستاق للبحث عن “مَنْظَفْ” تفرشه حبيبته لتصلي شرط أن لا يكون “المنظف” منسوجا في الأرض “يا لشرطها التعجيزي.
نرتع في جنائن السرور ومسبعات ولد رمثة تتحسر على يباس تعريشات العنب وذبول العناقيد :
“يا زارعين العنب في سنين المحول
أنا ساحبنِّي الهوى سحب الدلاء برْشاه”.
أعاود ترديد مسبعة العنب لولد رمثة وأنا أمدّ “المحجان” إلى مواسم العنب في بلدة شحر بحضرموت حيث يساوم حسين المحضار القاطفين:
“يازاعين العنب ما با تبيعونه”.
وأتحسر على مسبعة ولد رمثة التي تسبق قصيدة المحضار بمئتي عام ومع ذلك لم تتجاوز عمان التاريخية لتظل حبيسة صدور الرواة إلى أن تطوع خميس بن جعروف الحسيني وبضعة رواة من محبي ولد رمثة لإطلاقها في التسجيلات وإشعالها في الرمسات بينما ارتفعت قصيدة حسين المحضار تعريشة عنب بامتداد بلاد العرب ، وسماء تحت السماء من البحر إلى البحر بعد أن تهيأت لها حنجرة أبي أصيل بلفقيه فحلق بها وبعشرات القصائد المحضارية ليرددها العرب من الخليج إلى المحيط.
أواصل التطواف في تضاريس ولد رمثة الذي حصَّن نفسه من ارتدادت وتوابع زلازل الأسلاف رغم علو شأن أسرته والتصاقها بالتاريخ ، ورغم قربه هو من الزمن اليعربي فقد اختارَ تقديم نفسه كنسخة عمانية شعبية للملك الضليل في فترة ما قبل مقتل حجر بن الحارث وقبل ارتطامه باللخميين فكانت له مثل إمرئ القيس خيوله وعنيزاته وإنْ غابت غدران دارة جلجل.
وأتصفح “إنستجرام” ولد رمثه كما تصوره مسبعاته فأراه يقطع الطريق على سخلة لحبيبته ويشاكس راعيتها فيربطها ب”مرسغة من فضة”.
وأتوقف عند صور الإنستجرام فأرى حبيبة ولد رمثة “غريشيبة متربية في غتال”وأنها “دقيق الخصر” و “فحم الروادف” وعلى وجهها “صبغ الحيا”.
وفي صورة أخرى في الإنستجرام هي “سولعي” ومن “بنات المها” و دعجاء و”العين كالمشتري” و”اللحظ زورة وحسنها منها”
وتطالعني صورة أخرى كما التقطها ولد رمثة فأرى “الجبين هلال” و”خدها سهيلي” و”عينها سايق الليل”.
وأواصل التقليب في الألبوم الحميمي السري لولد رمثة لأصل إلى صورة جديدة للحبيبة فهي “قمراء” و”سلَّابة للعقل” و”جفلان معطي السِّها”.
وهي لحوحة ومتى أرادت شيئا “تبكي بكا الخلخال”.
ويأخذني الإنستجرام لأزياء ما قبل مائتي عام فأرى حبيبة الملك الضليل السروري ترتدي “شِيَلَ الهند” ولباسها “العيص على الخمرا” وعليها “شك الرعايل” و”الختوم رضوف”.
ولم تكن مسبعات ولد رمثة كأول منجز للدكتور سيف الرمضاني يهديه لبلدته سرور ولعمان وللمشهد الأدبي العربي ، فالبلدة تتذكر وقفة عاشقها الرمضاني في قضية محاولة هدم مسجد الفج فكان أول من استنكر عزم الجهات المعنبة بهدم “الفج” ، وأول من صعَّد الأمر ليتحول إلى مسألة وطنية وقضية رأي عام.
وبنفس الغيرة على سرور وعلى عمان واصل الرمضاني الليل بالنهار ليجمع ٨٤ مسبعة من صدور الرواة وما حفظوه عن أبي المسبعات ولد رمثة كنسخة عمانية شعبية لامرئ القيس يقدمها الدكتور الرمضاني في إصدار أنيق من دار لبان الشامخة.
وأنهي تقليب هذا الجهد الإستثنائي للدكتور سيف الرمضاني والتطواف في جغرافيا ولد رمثة بقول ولد رمثة :
حنا صياييغ نصنع من كلام الزين
وياما سحرنا الهوى مع زايغات العين.
————————
مسقط في ١٧ ديسمبر ٢٠٢٠م

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق