مقالات

عند بيت المُرِّيَّة أسائله عن القاضي الذي ألبس الزمن السمائلي أجمل المُرِّيَّات

حمود بن سالم السيابي

هذا بيت المُرِّيَّة إلا إن الجدار غير الجدار والباب غير الباب والمُرِّيَّة غير المُرِّيَّة.
أدفع سبعة وخمسين عاما لأصل إلى اليوم الذي دخله الشيخ السعيد سعيد بن خلف الخروصي بيت المُرِّيَّة صبيحة تقلده القضاء بسمائل ليقلد الزمن السمائلي أجمل المُرِّيَّات.
تكاد الدروب الكالحة الألوان تميد بي وأنا أمشي باتجاه المُرِّيَّة ، وتكاد الجدران المتسائلة تطبق عليّ وانا أتقصَّى الخطوات التي مشت ذات الدرب نزولاً باتجاه مسجد الشيخ راشد بن عزيز وصعوداً باتجاه مسجد “الجومية”.
الهلال والبدر يعرفان المكان فيؤكدان أن هذا هو بيت المُرِّيَّة ، وأنا أتشبث بجدران الطين التي لم تبارح عيني رغم توحش الإسمنت الذي ابتلعها.والهلال والبدر يجزمان بأن هذا هو باب البيت وأنا لا زلت مسكونا بخشب الباب الأول والطلاء الأول والزمن الأول.
ووحده “فلج القلعي” الذي يدخل بيت المُرِّيَّة بلا استئذان ويخرج ، ليعيد توجيه بوصلة الأمس وترتيب ما شتته التضاريس.
وبيدٍ مرتعشةٍ أحاول طرق باب بيت المُرِّيَّة وهواجسي مسكونة ببيوت لا تشرق منها العمائم التي أعرفها ، ولا تضيء منها الوجوه التي تعرفني.
وكم من بابِ تجرأتُ وهززتُ حِلَقَهُ لأسأل عن الساكن الأول فيطل “كومار” وبين إصبعيه سيجارة رديئة مشتعلة ، ورأسه يتسكب زيتا رخيص الثمن.
وكم من باب شممت فيه رائحة الطلع فانفتح الباب ليخرج عبدالحق غلام وهو يمتشق حبل طلوع و”قُبْ نبات” فتتكسر بيننا العربية ليصل الحوار مداه.
ولعل من سعد الطالع وحسن المطالع أن تسوق الصدف من يكسر تشابكات الهواجس والظنون عن البيت والباب والمُرِّيَّة فيمر الصائغ عزان بن عزيز الصارمي على نفس الدرب المترع بالشوق والمضرج بالحنين لنسأله عن المُرِّيَّة الحارة والبيت والساكنين ، فعزان صائغ البلدة وعلى جمر دكانه انصهرت فضة ألف خنجر واحْمَرَّ ذهب ألف مُرِّيَّة وألف “عقام” وألف “شنبر” ، وهو خير من يفتي عن المُرِّيَّة ومن أي عيارٍ هي وعن تفاصيل المكان والسكان.
إلا إن الرجل كاد يبكي لرؤية وجوهنا وهو يتذكر فينا الذين رتعوا هنا وحلقوا كالحلم ، فتركنا الرجل يشرب دموعه ليطفئ نيران صهر فضة الخناجر وذهب المريَّات لتصل إلى المسامع من الراتعين الآخرين بأن ملكية بيت المرية انتقلت من المشايخ أولاد راشد بن عزيز الخصيبي إلى علي بن حمد بن ناصر السليمي ، وأن الأخير يقيم فيه ، فحمدتُ الله أن البيت سيواصل إشعال المواقد لتواصل دلال القهوة الفوران.
وأقترب من ساقية فلج القلعي التي لا تستأذن وهي تدخل فتحملني الذكريات إلى البيت القديم الذي يتشكل من سبلة تنفذ إلى باب يقود إلى فناء مفتوح وينتهي بدهليز وغرفتي نوم إلى جانب غرفة تحنُّ فيها “الستيمة” وتفور على نارها الزرقاء القدور.
وكانت الساقية تجاور جدار سور البيت ، بينما تنتصب وسط الفناء شجرة سامقة تمد عروقها إلى القلعي فتشرب من تسريبات الشقوق.
وكان الشيخ السعيد سعيد بن خلف يمضي وقته في سبلة بيت المرية بين مستقبل ومودع ، ومتى ما توقف قرع الباب ناداه خرير الساقية وحفيف شجرة البيت فيخلع عمامة القاضي ويلبس بردة المتنبي وطربوش أحمد شوقي وبشت أبي مسلم البهلاني ويمتشق يراع أمير البيان.
أتتبع شقاوات “صدِّ” ساقية القلعي لأستعيد بيت المُرِّيَّة من الذاكرة وأنا أتأمل شموخ بيت أولاد راشد في “سيب الظفر” على الضفة المقابلة للوادي والتي تشرب من فلج “بو غول” حيث شقاوات أخرى ل”صدٍّ” هناك ، فأتوقف عند الأرض الواقعة بين بيت المُرِّيَّة والوادي لتتقارع في الأسماع مدارس فقهية بين الشيخ بن جميِّل وعلماء عصره حول حق الشفعة للمبيع المجاور للأموال المغرَّقة ، بين من يقول بعدم الشفعة للمال الذي غرَّقه الإمام سالم بن راشد لأنه أصبح “بيت مال” ، وبين من يقول بالجواز لأن الإمام الخليلي تراجع عن التغريق فتنتصر مدرسة بن جميِّل ويمد أولاد الشيخ راشد الأرض إلى بيت المُرِّيَّة.
أخرجُ من جدل الفقه إلى حوار الروازن فتأخذني الروازن إلى فتاوى نظمية ونثرية للشيخ السعيد نيابة عن شيخه العلامة بن جميِّل.
وتستدعيني الروازن لقصيدة لأمير البيان في خاتمة سجال شعري بينه وبين فارس الضاد في “سبلة دغال” ليتلألأ فيروز الوادي وزبرجد القصائد.
وتتسامى روزنة أخرى بقصيدة للشاعر الهلال وقد وجهها إلى خاله السعيد وكنَّاه فيها بأبي يعقوب ، واختار لها الهلال قافية الظاء ليقينه بملَكَات خاله وبأن الظاء على صعوبتها ستكون أيسر القوافي لجواب أمير القوافي.
ويصطخب في روزنة ثالثة مساجلاته مع المشايخ إبراهبم العبري وحمد بن عبيد وسليمان بن خلف وحميد الجامعي وموسى البكري.
وتنام بين صفحات كتب السبلة مراسلاته مع رجال عصره ونسخ من الأحكام والأوامر والاستدعاءات ومنها منعه لبعض أعيان البلدة من المسير إلى مقر المشيخة في البلدة المجاورة لسمائل لحضور مناسبة ختان مصحوبة بالطبول و”نقع التفاق” حيث تبرَّم الأعيان من تنفيذ الأمر واستصعبوا عدم تلبية أمر شيخهم ، فاصطفَّت نظارة الشؤون الداخلية في مسقط مع صرامة وحزم قاضيها السعيد فيتم استدعاء الأعيان والزج بهم في ظلمة سجن الجلالي.
وأقف قبالة باب بيت المُرِّيَّة لأستعيد مشهد تلؤلؤ السبلة بعمائم شاذون ، وأزورها في الذاكرة مرات وقد تحولت إلى مضيف لزوار بيت المُرِّيَّة من مختلف أرجاء عمان.


وأغادر المكان متتبعا الساقية باتجاه “الجوميَّة” وهي تؤذن للعصر فأقف على “جديل” مسجد “الجوميَّة” لأحلِّق غربا باتجاه “بيت الدختر” محمد رافع وقد اختفى الدختر وبيت الدختر.
وأولِّي وجهي شطر الشرق فتأخذني نخيل “الخلُّوت” إلى علوها الذي يصيب بالدوران.
وأتتبع الدرب الذي يسلكه الذاهبون إلى السوق والعائدون وبأصابعهم “تتَوَعْوَعْ”حزمة سمك وقد أبلى “القمَّاط” بلاء حسنا في تقطيعها وصفها وربطها بخوصة لعدم توفر الأكياس فيحزنني الدرب الذي بدا خاليا من المارة رغم أنه أوان عودة مرتادي السوق ومعهم القفران المكتنزة سمكا وبصلا أخضراً وليموناً وقرعاً ولفافات “الدنجو” المغلي و “فقوش ثرمند”.
كما خلا الدرب من “الدِّبْي” الذي اعتاد أن يطنطن حول حزمة السمك التي “تتَوَعْوَعْ” في الأصابع فتتسارع الخطوات.
وبينما عزان بن عزيز الصارمي يشرب دموعه وهو “يتذكر جيرانا بذي سلم” كنت مثله أتذكر المُرِّيَّة و”سيب الظفر” و “الخلُّوت و”الجوميَّة” وعمامةً بهيَّةً كانت تضيئ المكان كل صباح في الطريق إلى الحصن.
وأتذكر أبيات أبي معاذ مرشد الخصيبي وهو يغني للمُرِّيَّة وللمكان :

وما “مرِّيَّة” يوماً بناسٍ
إذا ما غيرها يوما نسينا

نقول لعاتب لما هجرنا
مواطن أهلنا في الحي حينا

ألا أن الزمان كما علمنا
لنا يأتي كما يأتي علينا

ليجيبه سيدي الهلال ضمن قصيدة طويلة:

ودعني لا أعدد كل ربعْ
فقد أورت مرابعها الشجونا

ولم أهمل معالمها اصطباراً
ومن ذا يهمل الحجر الثمينا

ولكني لفرط الشوق أضحت
عيوني تنظم الدمع السخينا
————————
مسقط في ١٤ أكتوبر ٢٠١٨م.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق