مقالات

إرهاصات عشق عظيم

حسن المطروشي

ببراءة الأطفال كان يعشق تفاصيل المكان والوجوه..  يعشق البحر والأشرعة والمواويل والنوارس وعرشان السعف.. يعشق جلسات السمر ورمسة البحّارة، يسردون أحاديثهم عن الغوص والرحيل والغياب والحنين .. يعشق النخيل والظلال وخطوات الهواء بين سكك البساتين عند الظهيرة.. كان ثمة شعور غامض مشوب بالحزن يجتاحه كلما أنصت مساء لهديل الحمامة على سدرة تنتصب في قلب الحقل، كالعجوز المباركة التي أناخ الدهر ركابه تحت قدميها.
تقدمت خطواته قليلا في الزمن، فبدأ يستمع ـ عبر المذياع الذي أتى به أخوه الأكبر من الكويت ـ إلى أغنيات الزمن الجميل .. كان يطرب لمحمد زويد وسالم راشد الصوري وعبدالله فضاله ومحمود الكويتي وعوض الدوخي وعائشة المرطه وموزة خميس… الخ!
سرعان ما بدأ يشده نوع آخر من الأغاني التي كان يسمعها بعد عودته من الحقل يوميا .. كانت الكلمات مختلفة .. الإيقاع مختلفا .. المضامين مغايرة .. لقد أخذت تشكل له وعيا آخر، وتوقظ لديه إحساسا مختلفا، بدأ يكتشفه في ما يكتشف من خفايا الحياة والوجود ..
لقد بدأ يستمع (عماني أصلي وفصلي) و(بيت الفلج كله ضباط وجنود) و(حاميها جيش عربي) .. وسواها من الأعمال التي لفتت انتباهه إلى مفردة بديعة تتكرر بين ثناياها، وهي مفردة (الوطن). حينها علم أن كل ما مضى من التعلق والعشق ليس سوى إرهاصات لعشق أشد وقعا وأعظم قداسة.. إنه حب الوطن.. الوطن الذي من أجله يموت الأحرار وفي سبيل كرامته وحريته يناضل الشرفاء.
كانت دهشته غامرة حينما رأى لأول مرة علم بلاده على شاشة التلفزيون (العادي) الذي جلبه لأول مرة المرحوم علي (صاحب القهوة) ووضعه في المقهى الذي كان يقدم فيه المشروبات الغازية، التي ظنها الصغير في بادئ الأمر مجانا، فتناول ثلاثا منها حين تردد إلى المقهى بمعية رفيقه الساذج، حتى تراكمت ديونه إلى 150 بيسة!
بانتشاءٍ بالغٍ بدأ ينظر إلى ناقلات الجند التي كانت تتردد على الحارة بحثا عن من يرغب في الالتحاق بشرف الخدمة العسكرية. كم كان يتمنى أن يرتدي الزي المشرق الذي يراه على قامة الجندي في الناقلة.

*****

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق