السياحي

أصحاب المحلات في سوق مطرح .. ورثنا التجارة عن أجدادنا وفيها خير كثير

بين زوايا هذه المحال التجارية العتيقة ثمة الكثير من الذكريات والحكايا والقصص القديمة، تماما مثل التحف واللقى والمقتنيات النادرة المعروضة على رفوفها، تسرد تواريخ أناس وحيوات وحضارات تعاقبت على هذه الأرض. “التكوين” تجولت بين ممرات سوق مطرح وعبرت في دهاليز سوق الظلام الضيقة، واقتربت مع بعض الباعة وأصحاب المحلات من مختلف الفئات العمرية، بعضهم من الرعيل الأول، والبعض الآخر من الجيل الثالث أو الرابع، ممن توارثوا هذه المحلات أبا عن جد. فتحوا قلوبهم ومشاعرهم ليسردوا حكاياتهم ويحكوا قصصهم وذكرياتهم الكثيرة. كما عبروا عن التحديات والصعوبات التي يواجهونها، في ظل هيمنة الوافد على مفاصل التجارة في البلد، ونثروا أحلامهم وتحدثوا عن مدى عشقهم للمكان وتعلقهم برائحته وضوضائه وحبهم لتحولاته صخبا وسكونا.

الشباب يتحدى

طارق بن محمد بن علي البلوشي، شاب طموح، وصاخب محل للتحف والتراثيات يقول: ورثت العمل في هذا المحل عن جدي رحمه الله، ونحن نزاول العمل فيه منذ قرابة 39 عاما. نبيع في هذا المحل التحف النادرة، وأغلبها نشتريها من السكان ومن ملاكها مباشرة، فهم يأتون إلينا بالبضاعة ثم نقوم بتقييم سعرها وشرائها منهم بموجب فواتير معتمدة وموثقة تحفظ حق جميع الأطراف.

ويضيف طارق: لدينا في هذا المحل أشياء يعود تاريخها إلى أكثر من ألفي سنة، مثل العملات المعدنية والسيوف. ونبيع الكثير من بضاعتنا لوزارة التراث والثقافة، وبعض الهواة المختصين في جمع الأشياء التراثية النادرة، والمتاحف. أما السياح فهم يقتنون الأشياء البسيطة ذات الوزن الخفيف، مثل الأشياء التذكارية والهدايا والميداليات والأساور والإكسسوارات.

وعن إقبال جيله من الشباب على العمل في التجراة يقول: الشباب يفضلون الوظائف بدلا من التجارة، لأن التجارة فيها التزام وارتباط أكثر وتتطلب الكثير من الصبر. أما من حيث المستوى المعيشي فإن التجار يعيشون حياة أفضل من غيرهم وليس عليهم قروض بنكية أو التزامات مالية.

ويستطرد طارق البلوشي قائلا: السوق يتطلب عناية أكبر وتنظيما أفضل لاسيما توفير مواقف السيارات التي أصبحت أحد المعوقات أمام السياح وزوار سوق مطرح الذين يأتون من مناطق وبلدان نمائية،  ويواجهون صعوبات بالغة في الحصول على مواقف السيارات، ما يضطره في كثير من الأحيان للانصراف ومغادرة السوق.

ويقول طارق البلوشي: كما نأمل من الجهات المعنية بدعم الشباب وخلق برامج لتشجيعهم على الدخول في هذا المجال، لأن الذي يسيطر على السوق، بنسبة لا تقل عن %90 الآن هم الوافدون. وفي هذا الجانب يتوجب منح الشباب العماني الفرصة للعمل جنبا إلى جنب مع الوافدين لاكتساب المهارة ومعرفة أساليب العمل واكتشاف أسراره، حتى يتمكنوا في النهاية من إدارة العمل بأنفسهم.

ويؤكد طارق: لقد أثبت الشباب العماني قدرته في هذا الميدان في سوق نزوى في التسعينيات عندما أصدرت الحكومة قرارا بمنع الأجانب من العمل في السوق الشعبي، إلا كموظفين فقط، وهكذا أصبح السوق بيد العمانيين، وهو ما يعكس الوجه الحضاري للبلد أمام السائح والزائر حينما يشاهدون أبناء البلد يديرون محلاتهم ويرحبون بضيوفهم حسب العادات والتقاليد العمانية الأصيلة.

تحف من مختلف البلدان

أخطر رسول بخش، الذي كان يرتدي الخنجر العماني لاستقبال زوار محله، يقول أنه يمتلك أحد أقدم المحلات في مطرح، يعود إلى أكثر من تسعين عاما، وقد توارثته العائلة أبا عن جد. ويضف أخطر رسول بخش قائلا: كنت آتي إلى هنا مع والدي عندما كنت في السابعة من عمري. وقد بذلنا ما في وسعنا لكي يصل المحل إلى ما هو عليه اليوم، إذ يضم تحفا نادرة يصل عمر بعضها إلى سبعة آلاف عام وبعض الآخر أربعة آلاف عام، وجميعها موثقة.

ويضيف أخطر رسول بخش: تتنوع هذه التحف التي تأتي من مختلف بلدان العالم بين الأواني والأسلحة والفخاريات والأساور والأحجار الكريمة وغيؤها من المعروضات الت النفيسة التي تملأ رفوف المكان، الذي كان يتجول في عدد من السياح الأجانب.

ويؤكد أخطر أن عدد الزوار الآن يتزايد عاما بعد عام، مشيرا إلى أن ذلك يعتمد على المواسم السياحية وهي الفترات التي يعتدل فيها الجو، موضحا أن السياح الجانب تجذبهم الأشياء القديمة.

وعن إقبال الشباب العماني للعمل في هذه المهنة يقول أخطر أنه يتمنى ذلك، ولكن الشباب يرغبون في الوظائف السهلة، ويريدون الإجازات ويحرصون على عطلات نهاية الأسبوع والدوام لمدة نصف يوم، وغير ذلك مما لا يجدونه في ميدان التجارة.

المولات الكبيرة تسحب البساط

مصطفى محمد علي اللواتيا يقول: قضيت في هذا السوق أكثر من 45 عاما. كنت أعمل مع والدي الذي ذهب لاحقا إلى الهند. كنا في البداية نمتلك صيدلية ثم فتحنا بعد ذلك هذا المحل الذي نبيع فيه مستلزمات طبية ومنتجات تجميل مختلفة. كما كان لدينا محل قديم أيضا نبيع فيه أصباغ الملابس والأحذية وبعض البضائع التي كنا نجلبها من الهند، وألمانيا وتشوسلوفاكيا وبعض البلدان الأوروبية.

ويستذكر مصطفى اللواتيا طفولته في هذا المكان قائلا: قضينا طفولتنا الجميلة هنا، وفي سور اللواتيا، كانت أياما سعيدة، لازلت أتذكرها بمحبة وشوق كبير. أغلب الذين كانوا يزاولن التجارة ويديرون السوق هنا من اللواتيا ولكن الأمور تغيرت الآن، فقد ذهب كثير منهم إلى الوظائف العامة، وانتقل بعضهم للإقامة خارج مطرح، مثل القرم والعذيبة وبوشر، وغيرها.

ويرى مصطفى اللواتي أن انصراف الأبناء للوظائف يعود إلى أن السوق لم يعد مثل ما مكان سابقا، من حيث الربح وتحقيق المكاسب، حيث باتت المحلات الكبيرة والمولات توفر السلع والبضائع بأنواعها وفي مختلف الأماكن، خلافا للسابق حيث كان الجميع يأتي للتسوق في مطرح من كافة بقاع السلطنة.

ويؤكد مصطفى اللواتيا أن السوق حتى بعد الترميم ما زال محافظا على شكله وطابعه القديم، إلا أن في السابق لم تكن هناك إضاءة، وكان المكان مظلما، لذلك كان يسمى “سوق الظلام”. وحتى سور اللواتيا لم يكن فيه إضاءة، باستثناء الفوانيس التي كانوا يستخمونها أثناء المشي ليلا لإضاءة الممرات والسكك.

ويضيف مصطفى محمد علي أن مواعيد افتتاح السوق وإغلاقه كانت تعتمد على التوقيت العربي، إذ كان يفتح في الصباح قرابة الساعة الساعة الثانية، وهو ما يعادل التاسعة صباحا، ويغلق عند صلاة الظهر، ليعاود الافتتاح مساء حتى المغرب.

تنوع البضائع

حسين بن حسن بن علي اللواتي، صاخب محل لبيع الكميم والملابس، يقول: عندما جئنا قديما إلى هذا السوق كان أكثر التجار من العمانيين، فلم يكن هناك من الوادفين سوى القليل جدا، ثم بدأوا يتوافدون شيئا فشيئا مع بدايات النهضة المباركة. وقد ساعد في ذلك انصراف نسبة كبيرة من الشباب عن مزاولة التجارة، فليس لديهم الرغبة أو الصبر على الجلوس في المحلات التجارية لأوقات طويلة، خلافا للوافدين الذين يتحلون بالصبر. أما شبابنا فيبحثون عن الراحة. ولكن هذا لا ينطبق على جميع الشباب لدينا، فهناك الكثير منهم أصبحت لديهم مشاريع متوسطة والصغيرة، وقد أثبتوا نجاحهم في ذلك.

ويضيف حسين اللواتي قائلا: عايشت في هذا السوق العديد من التجار منهم عبدالرضا سلطان وأخاه احمد سلطان والحاج عمر سلطان والحاج علي سلطان وعمر شيرو وإبراهيم شيرو ومحمد حبيب وزهران الحلاو، رحمه الله، وخميس سنجور وغيرهم الكثير.

ويستطرد حسين اللواتي موضحا أن البضاعة تنوعت الآن أكثر من السابق نظرا لتطور الأوضاع المعيشية والحياتية، وكانت البضائع في السابق تأتي من أغلب بلدان العالم ولكن أكثرها من الهند.

وعن الكميم التي يبيعها في دكانه يقول: الصناعة العمانية غالية جدا، وهي ليست في ميسور الفرد العادي، فليس كل مواطن قادر على دفع مائة أو ثمانين ريالا لشراء كمة عمانية، خاصة إذا كان لديه مجموعة من الأبناء، فهذا بحد ذاته يتطلب ميزانية كبيرة. كما أن الإنتاج المحلي القليل من الكميم لا يغطي حاجة السوق، فلو لم نستورد من الخارج لما توفرت السلعة في أسواقنا.

عبر الإنترنت

كما التقينا السائح مطني متعب الرشيدي من المملكة العربية السعودية الذي قال: جئنا إلى سوق مطرح اليوم، وتجولنا فيه ومشينا في تفرعاته وممراته المختلفة. السوق نظيف ومنظم ويحظى بعناية جيدة. وجدنا هنا الكثير من البضائع والمعروضات التراثية والتحف العمانية والعربية النادرة والنفيسة.

ويضيف مطني: تعرفنا على السوق عن طريق البحث في الإنترنت عن الأماكن السياحية في مسقط فكان سوق مطرح بين الأماكن المقترحة، فقررنا المجيء إلى هنا، وبالطبع سنذهب إلى أماكن أخرى. نحن نعتزم الذهاب إلى صلالة ولكننا سنمكث في مسقط قرابة يومين، وهذا أول مكان نزوره حتى الآن، وبالفعل شد انتباهنا.

وللبخور حكاية

ويحكي سعيد بن محمد المهري صاحب محل لبيع البخور قصته فيقول: أنا هنا منذ عام 2002م، ولدينا في هذا المحل كل ما يتعلق بالبخور العماني وصناعته من المجامر والبخور بأنواعه مثل “ريسوت” و”أموج” و”سلطان” وغيرها. وهذه الأصناف كلها نأتي بها من صلالة، بعضا تصنعها النساء المختصات في البيوت وبعضها نقوم نحن بصناعته في المحل. وإلى جانب البخور لدينا أصناف اللبان مثل “الحوجري” وغيره من اللبان العماني الذي يأتي مباشرة من محافظة ظفار.

وويختتم سعيد المهري حديثه قائلا: تنتعش السوق في المناسبات مثل الأعياد وغيرها، وهناك إقبال جيد سواء من العمانيين أو الوافدين والسياح على السواء.

نشر هذا الاستطلاع في العدد (23) من مجلة التكوين…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق