مقالات

عن دراما الصورة التلفزيونية

أنور محمد 

1
أوَّلًا وليس آخرًا الفن- هنا الدراما- هو تجربةٌ حقيقية أو هو في جانب منه تجربةٌ مُعاشة. لكنَّها على ما نرى الآن في المسلسلات تجربة لا تحملُ في صورتها أيَّ دلالاتٍ حقيقية واقعيةٍ أو متخيَّلة. بل نحن مع صورةٍ مُطلقة كما مع موسيقى مطلقة, وكلتاهما تخدشان حواسنا. فالموسيقى لا علاقة لها باهتزازاتِ ولا بتأزيمِ الصراعِ لدى الشخصيات, وكذلك الصورة فهي مثل اللقطة الفوتوغرافية, وكأنَّ الألوان التي تتشكَّل منها الصورة لا شكل لها مع أنَّ اللون هو الدراما/ الفيلم. هل يعني هذا أنَّ المادة المعرفية لدى صانعي الدراما لا تحفل إلا بالزبون الذي هو المحطَّات الفضائية وشروطها, أَمْ أنَّ الحقيقة هي أنَّ هؤلاء الدراميين مفلسون من المعرفة والثقافة, والمهم تقديم صورةٍ محشوَّة بالحكي والألوان وهذا ما حصلَ ويحصل.
إنَّ الرسوم المتحرِّكة – أفلام الكرتون كما في «توم و جيري» على سبيل المثال؛ تدفعنا للتعلُّق بها حين تباغتنا بحركاتٍ هزليةٍ فنضحكُ بملء قلوبنا ونحن نرى- إذ لا حوار- هذين الذكيين توم و جيري وهما يرميان بأفكارهما أمام بصرنا ومن ثمَّ بصيرتنا فتخرجُ تلك الضحكة, ينتزعانِها رغمًا عن أنفنا. إنَّه الخيال الذي يحرِّك هذين الرسمين/البطلين, لكنَّه الخيال المثقَّف الذي يؤسِّس عمارته الدرامية بمقادير ومعايير جمالية, فيعرفُ كيف يصرفُ دون تبذيرٍ اللونَ والموسيقى لبناء عالمٍ وإِنْ من كرتون, لكنَّه الأكثرُ قيمةً من الناحية الفنية. فالرسوم – رسم توم و جيري الذي صار أيقونةً ما عاد ملئًا- لتملأ فراغًا, حتى الموسيقى في الفيلم الكرتوني صارت جزءًا لا يمكن أن ينفصل عن الرسم المتحرِّك, فتتقوَّى العلاقات ما بين الخطوط والألوان والموسيقى, وفوقها تستثيرنا بإيماءاتها ونتابعها كلَّما تمَّ عرضها فلا نملُّها. اليوم مع مثل هذه المسلسلات صرنا نملُّ المتابعة وهي ما تزال في العرض الأوَّل, فكيف لو عرضت ثانيةً وثالثةً, خصوصًا؛ وأنَّ هناك فضائياتٌ تنتظرُ لتعرضها بدورها.
ما الذي أصابَ الكُتَّاب والمؤلفين؟ أين ثقافتهم الكلمية؟. في الماضي الذي كان قريبًا كانت بعض المجلات تنشرُ قصصًا مصوَّرة وكنَّا نلاحق, نقرأ, نحلِّل, الانطباعات, الانفعالات على وجوه أبطال القصة, لأنَّ هذه الانفعالات كانت تشكِّل سردًا مليئًا بالإشارات, رغم أنَّ كل صورة كانت مذيَّلة بكلام شخصيات الحكاية. كنَّا نرى صورًا متعدِّدة, متحوِّلة, متغيِّرة إنَّما بمتتاليات – تعاقب حركي, كأنَّها من تركيبة هرمية آسرة, رغم أنَّ موضوعها عاطفي, ونبقى مستنفرين حتى يصدر العدد التالي ونحنُ نعيشُ مع حقيقةٍ درامية ليست مسرحية ولا سينمائية- صحفية, لكنَّها كانت تتركُ الزمنَ ينبعث, ينسردُ أمامنا بانتظار أحداثٍ جديدة.
2
عندما تكتبُ نصًَّا دراميًا؛ مسرحيةً أو مسلسلًا يُفترض أن تذهب إلى المعرفة- المعرفة التي تملك القدرة على التجريد- لأنّ القبض على الجمال يتمُّ بأيدي الحواس وهي تربط وتركِّب أجزاء الجمال المتناثرة التي قطَّعتها سكاكين البشاعة. إِذْ من المضحك والمبكي معًا أن نرى في مشهدٍ (ما) شخصًا ما ينصحُ مريضًا بالقلب أو بالسرطان أن يتداوى عند المشعوذين والدجالين وليس عند الأطباء, ولمَّا يذهب ولا يجدُ شفاءً عندهم يقوم أحدٌ ما فيقنعه بالذهاب إلى الطبيب رغم يأسه من الشفاء, ولمَّا يأخذ الفاتورة- الوصفة من الطبيب يتنطَّع أحدٌ ما فيُقنع المريض بأن يصرفها عند المقرئين والمرتِّلين وليس عند الصيدلي, وبعد ذلك ينمو الفعل/الصراع لتصير الدراما دراما. لكن هنا على الكاتب الدرامي أن لا يغفل بأنَّنا كمشاهدين عندنا قناعة بأنَّه ليس هناك من مفاجأة (إلهية) ستنزل كي يشفى مريض القلب أو مريض السرطان من مرضه فلا يذهب إلى النهايات الخرافية, لأنَّ لا أحدَ سيؤيِّد المشعوذَ والدجَّالَ والنصابَ – إِنْ في السماء أو في الأرض- بمعجزة.
فالمؤلِّف حتى يبقى مؤلِّفًا عليه أن يميِّز وهو يكتب (دراماه) بين العلم والخرافة فيفصل بين لحظتين, بين زمنين, بين عقليتين؛ بين جلادٍ ما وضحيةٍ ما, سيما وأنَّ الجلاد ما كان يلعبُ مع الضحية على أنه ضحية مثله, وذلك حتى ندرك خطرَ الجهل والخرافة فينقذنا من الضجر, لنذهب بعدها إلى التأمل الجمالي بصفتنا شركاء في العملية الفنية, لأنَّنا كما مريض السرطان والقلب نحتاج إلى العلاج الذي في التأمل هذا لنشفى ولو قليلًا من الضجر والسأم.
باعتبار أنَّ الفن عمومًا والصورة السينافيزيونية خصوصًا ولو أنَّها للاستهلاك كما الطعام والشراب ولكنها لتوقظ الحلم, ومن ثمَّ الجمالَ الذي في الحق, فحين نتأسَّف أو نلعن؛ أو نستنكر؛ أو نستقبح؛ أو نصرخ؛ أو نستهجن أو نذرف الدموع أو نضحك؛ أو نقفز من مقعدنا ونهجم باتجاه الشاشة, فلأننا قد اهتجنا واكتشفنا, بل قبضنا على جزءٍ من الفردوس المفقود.
فالمؤلِّف حين يُبكِّينا ليس بالضرورة أنَّه حين كتبَ نصَّه كان يبكي, بل ربَّما كان يضحك, لأنَّه كان يخلق, كان يُبدع. ذلك لأنَّ المؤلِّف لا يمكن أن يغيب عن نصِّه, لا يمكن أن يختفي حتى لو تعمَّد ذلك. فشخصياته تتكفَّل بحرارتها وبرودتها أن تحتفظ به- تحمله على ظهرها وتمشي فيه من أوِّل العمل إلى آخر الحياة. وعلى سبيل المثال هل نستطيع أن ننسى شخصيات روائية مثل شخصية زكريا المرسنلي لحنا مينا, أو شخصية مُتعب الهذَّال لعبد الرحمن منيف, أو شخصية حسن جبل لفارس زرزور؛ أو شخصية راسكينليكوف لدويستوفسكي, أو شخصية مدام بوفاري لفلوبير سواءً كانت شخصيات ملائكية أو شيطانية؟؟؟؟… صحيح أنَّها شخصياتٌ من بنات الخيال لكنَّها في الدراما روايةً أو مسرحيةً أو مسلسل هي شخصياتٌ حقيقية؛ تتألَّم, تفرح, تحقد, تثأر, تحب, تكره, تخادع, تقتل, تسرق, ترتكب المعاصي, تنام, تستيقظ, على أنَّها شخصياتٌ تمَّ صنعها من أكاذيب إنَّما تحوَّلت بفضل هذا الكاتب الدرامي إلى حقائق, وكأنَّ الكاتب هنا بقدرِ ما يكذِب بقدرِ ما يصدق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق