مقالات

محطة لا بد منها

د. رضية بنت سليمان الحبسية

 

تبدأ دورة حياة العامل المهنية، حكومية أو خاصة، وفق وثيقة عمل بين طرفين، العامل كطرف أول، والمؤسسة كطرف ثانٍ. تنص على الحقوق والواجبات، المسؤوليات والصلاحيات، بحسب طبيعة العمل، والمستوى الإداري للوظيفة التي يشغلها الفرد. فيؤدي الطرف الأول واجباته نظير أجر يتقاضاه، خلال فترة عمله، فيبذل خلالها جهودًا مخلصة، إلى أن ينتهي به المطاف إلى محطة لا بد منها، ألا وهي: مرحلة التقاعد.

تأتي مرحلة التقاعد كمرحلة طبيعية، بانتهاء مدة خدمة العامل القانونية. فيستعد الفرد ويُعدّ لتلك المرحلة؛ لينتقل إليها بانسيابية، ومدخرات مالية. ليبدأ معها مرحلة مفصلية، حيث تمر به سنوات الخدمة كشريط سينمائي يزخر بالذكريات والإنجازات، التي يفخر بها ويفاخر مع نفسه وأمام أسرته، وبين أقربائه ومحبيه. وإن لم تكن تلك السنين على وتيرة واحدة من النجاح والتوفيق، إلا أنّ جُلّها يُمثل مزيجًا من العطاء، تتحدث عنه الأجيال والمتعاملين، ناهيك عن أرفف من الشهادات والدروع التي تُجسّد كفاءات وخبرات ليست بالقليلة، للمجيدين منهم خاصة.

تمثل محطة الإنسان ما بعد التقاعد، مرحلة من أروع المراحل العُمرية، تتيح للفرد التفكّر فيما مضى، والتأمل فيما جنى، ودراسة لما هو واقع، والإعداد لما هو آتٍ. في ظل ظروف مواتية، بعيدة عن صخب الحياة العملية، والتزامه بالمتطلبات الوظيفية. فإما يُكمل فيها مشاريعه الخاصة، أو يمارس فيها هواياته المفضلة، مُغلّبًا فيها صحته البدنية، وراحة باله النفسية. من هنا تأتي أهمية استشعار جمال وخصوصية محطة لا بد منها؛ ليعيشها في ظروف مالية مستقرة، أجواء أسرية سعيدة، بيئة صحية آمنة، وعلاقات اجتماعية متماسكة.

إنّ مرحلة التقاعد لا تعني نهاية عمر الإنسان، أو توقف نشاطه. إنما هي استمرار لحياته في مواقع أخرى؛ لتمثل محطة جديدة من محطاته المستقبلية. والتي تتطلب من المتقاعد جودة التخطيط، استحضار الخبرات المتراكمة، وتوظيف المهارات المكتسبة؛ للمساهمة المجتمعية، لمن لايزال في قمة العطاء وبنعمة من الحال، فيجني ثمار مبادراته وصدق عطاءته، في حياته وبعد مماته.

تقع على المجتمع ومؤسساته مسؤولية تهيئة البيئة المحلية، وتأسيس البنية التحتية، وإنشاء مشاريع وطنية؛ لاستثمار طاقات وكوادر عُمانية، تمثل قيمة مضافة للوطن من خلال العمل التطوعي وريادة الأعمال الاجتماعية، وفق أنظمة حديثة، وبرامج فاعلة. إنّ تنمية المجتمع المستدامة، تتطلب التنويع في مصادر الدخل، وتشغيلها بخبرات محلية؛ لاستشارات لا تقل كفاءة وتمكنًا مقارنة بالخبرات الأجنبية. فإذا ما تم قيادة وتدوير تلك الثروات الوطنية بفاعلية، فسيتحقق تقدم المجتمع بسواعد أبنائه المخلصين، وجهود الأوفياء المبدعين. وحينها، سيصدق الرهان بأنّ الإنسان العُماني المُمَكّن، هو مفتاح الوصول بعُمان إلى مصاف الدول المتقدمة، وبشراكة مجتمعية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق