مقالات

الباحث ناصر الريامي يكتب: كيف غادر السلطان جمشيد زنجبار

يقول الشيخ عيسى بن ناصر الاسماعيلي، الذي توفي مؤخراً، وهو صاحب كتاب التكالب الاستعماري على زنجبار.: أن جلالة السلطان جمشيد غادر بلاده مُغادرة الشجعان. مضيفًا على ذلك بالقول: يشير الثابت إلى إنه، عندما أضحت الحكومة في مهبّ الريح؛ اتّفق رأي كلّ من رئيس الوزراء ووزير خارجيّته، على حتمية إخراج جلالة السّلطان من البلاد؛ فأوفدا إليه رسولاً، هو الحاج حُسين، في حدود السّادسة صباحًا، إلاّ أن جلالته امتنع بدايةً عن الخروج، قائلاً، وبكلِّ شجاعة: إنه لن يخرج ويترك رعيَّته تلتهمهم الغوغائيّة مُنفردين؛ وإذا لم يكن من الموت بُدٌّ فالأكرم له أن يموت بين ظهرانيهم.  حاول الحاج حُسين جاهِدًا إقناع السُّلطان بوجاهة رأي الخروج من القصر إلاَّ أنه استعصم.
يقول البرواني: إنه وعندما عاد المبعوث أعلاه خائبًا، أرسل إلى جلالته مبعوث آخر، أكبر سِنًّا، وأكثر وجاهةً وتقديرًا، هو المعلم هلال بن محمد بن هلال البرواني، الذي تمكَّن فعلاً من إقناعه بالخروج، بعد أن أوضح له أن الخروج ليس لمصلحته فحسب، وإنما لمصلحةِ النِّظام والبلد والشعب في آنٍ واحد.  ومع ذلك، فالثابت وثائقيًّا، يشير إلى أنّه لم يخرج من القصر من فور ذلك، وإنّما مكث فيه مُتردِّدًا، بين الإقدام والإحجام، إلى أن اتّصل به هاتفيًا المفوّض السّامي البريطاني، قُبيل الحادية عشر صباحًا، وأبلغه باقتراب الغوغائيين من القصر، وأن الأمر بات يحتّم عليه ترك القصر، بل والرحيل من البلد. أبلغه كذلك، بأنه سينسّقُ مع مُفوّض الشرطة لتأمين سلامة خروجه.
في تمام الحادية عشرَ صباحًا، تلقى جلالة السّلطان اتصالاً آخر من مفوّض الشرطة، مُستأذنًا جلالته بأن يرسل إليه ضابطًا على رأس قوّة شُرطيةٍ مُسلّحة، لإخراجِه من القصر إلى الميناء البحري؛ وأوضح له بأن القوة ستصل القصر في غضون عشرِ دقائق.
تنفيذًا لذلك، وصلت القوّة المذكورة القصر، وعملت بالفعل على تأمين وصول السّلطان وأفراد أسرته إلى الميناء البحري. يقول جلالة السلطان جمشيد: إنه خرج من القصر مُتهيئًا لأسوأ الاحتمالات؛ فظهر للعامة حاملاً بندقيةً بيمينه، ومُخبّئًا بين طيّات ملابسه مُسدّسًا؛ وأبت نفسه أن يخرج في سيارة الشرطة؛ مُؤثرًا، بدلاً من ذلك، الخروج مرفوع الهامّة، قائدًا سيارته بنفسه، وكأنّ الأوضاع تسيرُ وفق طبيعتها، حيث ركبَت معه زوجته وأولاده؛ بينما ركب بقيّة أفراد الأسرة، وكذا الحاشية في سيارات النّجدة التي أحاطت بسيارة السُلطان. هذه القوة الشرطية، لم يكن في مقدورها العودة إلى مركز شرطة ماليندي لتعزيز المقاومة؛ إذ أن الغوغائيين من مُؤيّدي الغزو، كانوا قد اقتربوا إليهم؛ وهو الأمر الذي دفعهم إلى ركوبِ السفينة بصحبة السلطان.
هكذا، حانت ساعةُ الرّحيل .. لحظاتٌ دراميةٌ لنهايةِ عهد .. سُلطانٌ يُغادرُ قصرَه طريدًا مُنكسرا .. نظراتٌ تائهةٌ مُرتبكة، ملؤها علامات الاستفهام، مُلتمسةً السبيل المنقِذ للموقف .. خيانةٌ مُتوقّعة من حيث لا يدري.. عُيونٌ محمرّةٌ من شدّةِ الحنَق على ما هو آيلٌ لشعبِه، والحسرةِ على فقدان عرشٍ تليد .. سلطانٌ يعتلي ظهر سفينةٍ مُحطّم الفؤاد ساهمًا واجمًا وقد غامت الدُّنيا في وجهه، فيوجّه منها نظرةَ الوداع إلى القصر الذي بناه جدّه الأكبر، السيّد سعيد بن سلطان .. وإلى المدينة التي ولد وكبر على تُرابها، هو ووالده من قبل .. يتولّد لديه عندئذٍ إحساسٌ بأنها آخر عهد له بهما؛ ويبدو أن الحال كذلك.
يُذكر بأن السفينة السّلطانية “السيد خليفة” كانت قد أبحرت، بوالدة السلطان وبعضٍ من أفراد أسرته، قبل الغزو ببضعة أيام إلى مينائي تانجا وممباسا، لقضاء فترة نقاهة ما قبل حلول شهر رمضان. وعليه، فلقد أُرسلت برقية عاجلة إلى قائد السفينة بالعودة الفورية إلى ميناء زنجبار لنقل السلطان. وإلى حين وصول السفينة، نُقل السّلطان إلى سفينة “السلامة” – في حدود الحادية عشر صباحًا – التي كانت قد أُبعدت عن الرّصيف، إلى ما وراء مرمى بنادق الغُزاة والغوغائيين.
ومما يُذكر، فإن سميثيمان، هو الذي تولى كلّ الترتيبات الخاصة بتجهيز السفينة المقلة للسلطان. فيقول سميثيمان في هذا الصدد: أنه كان قد تواصل هاتفيًا مع رئيس الوزراء، محمد شامتي، واتفق معه على أن يُغادر مجلس الوزراء برفقة السلطان في السفينة، إلا أنه تفاجأ عند وصوله السفينة بعدم رؤية أحدٍ من الوزراء بصحبة السلطان.
أضاف سميثيمان قائلاً: إن عدم مرافقة الوزراء للسلطان في هذه الرحلة، أجهض أي احتمالية لإعادة ترتيب وضع الحكومة الشرعية. وصلت سفينة “السيد خليفة” قبالة ميناء زنجبار، في زمنٍ قياسيّ، حيث بلغت مقصدها من ميناء تانجا، في أربع ساعات تقريبًا؛ أيّ أنها وصلت ميناء زنجبار في حدود الرّابعة عصرًا، حيث وقفت على مقربة من “السلامة”، وعندها تم نقل السلطان ومن معه إلى “السيّد خليفة”.
هنا تبدأ رحلة السّلطان إلى المجهول .. سفينةٌ تبحرُ في لحظاتٍ تاريخيةٍ عصيبة، دون أن تعلم وجهتها .. أخذ القبطان يلفّ بها حول جزيرة زنجبار لثلاثِ مرّات، لا لشيءٍ سوى لعدم تلقّيه التعليمات حول الوجهة التي ينبغي سلوكها. أحمد بن سيف بن ناصر الخروصي، الذي كان في حكم المنسق الخاص للسلطان، في رحلة المجهول هذه، استدعى أهل الرّأي من الرّجال، لعقد اجتماعٍ طارئ، داخل السفينة لتحديد الوجهة.  تضاربت الآراء؛ حيث ذهب رأيٌ ضعيف إلى الاتجاه نحو الصُّومال؛ بينما ذهب رأيٌ أقوى منه قليلاً إلى الاتّجاه إلى مصر؛ واتّجه رّأي ثالث – والذي رجّحه المجتمعون جميعًا، باستثناء جلالة السلطان – إلى جزيرة بيمبا، المعروفة بـ(الجزيرة الخضراء).
يشير الشيخ سالم بن حمود الخروصي – في اللقاء الذي أجريته معه – وهو أحد المسافر مع جلالة السلطان: أنه، وعلى الرّغم من هذه المحنة السياسية، التي ألمت بالسّلطان بالدّرجةِ الأولى، فإنه لم يفقد أعصابه ولا رباطة جأشه، في أيّ مرحلة من مراحل المحنة. ففي خارج أوقات رسم السياسات، واتّخاذ القرارات – التي كانت تتمّ في غرفةٍ مُغلقة – كان يجلس السلطان مع العامة، ويتباحث معهم في مسائل اجتماعية مُتنوّعة، وكأنّ شيئًا لم يحدث. فكان يُجالس الشباب، الذين هم في أواسط العمر، ويتبادل معهم أطراف الحديث في الجوانب الرّياضية، التي كانت تستهويه شخصيًّا، مثل: سباق السيارات، وألعاب القوى، والملاكمة، وكمال الأجسام، والقنص؛ ويتجنّب، في الوقت ذاته، التباحث معهم في المصير الذي كان ينتظرهم، أو عن احتمالات التدخّل الإنجليزي، وما إلى ذلك من المواضيع.  وفي هذا السياق، يقول سميثيمان في التقرير الذي كتبه لجهةٍ غير معلومة: “نظرتي تجاه السّلطان أخذت تتعاظم في كل ساعةٍ ولحظة من تلك اللحظات العصيبة التي عايشتها معه، إنه رجلٌ يتمتع بالشجاعة ورباطة الجأش”. يذكر، فأن سميثينان، هو رجل انجليزي، عمل في زنجبار لمدة ثمان سنوات، وكان آخر منصب تقلده هو، السكرتير الدائم لرئيس الوزراء محمد شامتي.  كان من القيادات الانجليزية المخلصة جدًا للسلطان ونظامه؛ لذلك، آثر الخروج مع السلطان بعد الإطاحة بنظامه.  توفي في أستراليا في عام 2008م، ومن ابنته، حصلنا على كثيرٍ من الوثائق، وكذا الصور.
في تمام الثّامنة من صباح يوم الاثنين، 13 يناير، وصلت السفينة السلطانية ميناء ممباسا.  صدرت التعليمات أن ترسو السفينة في مكانٍ مُنعزل خارج الميناء، ولم يُسمح لأحد الصعود أو النـزول. وتحدّث جوزِف مورومبي، وزير دولة بمكتب رئيس الوزراء، بالنيابة عن رئيس الوزراء، إلى القنصل البريطاني، حيث التمس منه النّظر في إمكانية نقل السّلطان إلى أيّ دولةٍ أُخرى بواسطة سفينةٍ من سفن البحريّة الملكية البريطانية؛ وذلك بعد أن أوضح له، أن السّماح للسلطان بدخول ممباسا، قد يُؤدّي إلى نشوبِ اضطرابٍ أمنيٍّ شديد الحرج من طرف العرب المقيمين في ممباسا.  وللأمانة، يمكن القول إن هذا التوجُّس كان له ما يُبرّره؛ إذ أن الشريط السّاحلي لممباسا، كان من ممتلكات السّلطان إلى ما قبل الغزو بثلاثة أشهرٍ فقط، فمن الطبيعي توقع ردة جماهيرية قوية.
وبينما كان الأمر لا يزال قيد الدراسة من قبل الإنجليز، صدرت تعليماتٌ من السّلطات المعنية في الدولة كينيا، للسفينةِ السّلطانية بمُغادرتها الميناء؛ وذلك، دونما التنسيق مع وزير خارجية كينيا، ولا حتى السّماح للسفينة بالتزوّد، لا بالوقود ولا بالمؤن.  هكذا، فلقد تحرّكت السفينة مُجددًا، تمخر عباب البحر، من غير هُدى، إلى أن تلقّى القبطان نداءً، عبر جهاز اللاسلكي، مُبشّرًا بحصولهم على موافقة دار السلام لاستقبال السلطان وأتباعه؛ فكان التوجّه إلى ميناء دار السّلام من غير تردّد.
ثمّةَ أمرٌ جوهريّ هنا، لابد من ذكره، وهو أن حكومة دار السلام، ما كانت لتبادر باستضافة جلالة السلطان إلى إقليمها هكذا حبًّا فيه، وإنما بتدخُّلٍ إنجليزيّ، وفق الثابت في الوثيقة رقم (HO 344/309)، الأرشيف الوطني البريطاني.
لم يسمح لأحدٍ بالنـزول من السفينة، عقب وصولها ميناء دار السلام، إلى أن اعتلى ظهرها بعض المسؤولين من الشرطة التنجانيقية، وسمحوا بذلك للسلطان وحاشيته فقط من المدنيين؛ بينما أمروا العسكريين بالبقاء في السفينة، إلى أن تأتيهم تعليمات لاحقة. وعليه فلقد بقيَ الملازم سالم بن حكيم الخصيبي ومن معه من أفراد مركز شرطة ماليندي وعددهم (30) ثلاثين فردًا تقريبًا – أو يزيد على ذلك بقليل – بانتظار التعليمات. في اليوم التالي، وصلتهم قوةٌ شرطيةٌ، بقيادةِ ضابط، حيث نزع عنهم الرُّتَب العسكرية، وسمح لهم بالنـزول؛ إلاّ أن ذلك كان إلى السجن مُباشرةً. وبعد أن بقوا في السّجن قُرابة الخمسةِ أيام، وفي الليلةِ الموعودة، حيث العودة إلى زنجبار لمحاكمتهم، أو بالأحرى، للتنكيلِ بهم، تمكّن الخصيبي بالمكرِ والخداع من الهرب من السّجن بأعجوبة، ولجأ مُباشرةً إلى السفارة البريطانية، حيث مُنح الحماية السياسية؛ ومنها سافر إلى عدن، حيث عمل في التدريس، ومكث فيها بِضع سنين؛ ثم إلى سلطنة عُمان، حيث عمل في جهاز الشرطة، واستمر كذلك إلى أن تقلّد منصبًا قياديًّا، ثم نقلت خدماته إلى وزارة الخارجية، حيث عُيّنَ بدرجة سفير.
وضِعَ السّلطان، وكذا أتباعه قيد الإقامة الجبرية في بيتين من بيوت الحكومة في حي راقٍ، في العاصمة دار السلام، تحت حماية الشرطة؛ حيث خُصّص بيتٌ للسلطان وأفراد أسرته، والبيت الثاني لأتباعه وحاشيته.
وفي تاريخ 18 يناير، تمّ توصيل جلالة السّلطان وأتباعه إلى مطار دار السلام، في حراسةٍ أمنيةٍ مُشدّدة؛ حيث وجد هناك السفير البريطاني في مُقدّمة مُودّعيه ومنعت الشرطة الصحفيين والمصوّرين من وصول المطار.  وفي تمام العاشرة مساءً أقلعت طائرة تابعة للخطوط الشرق أفريقية، رحلة رقم (RCH 3376) بالسلطان وأتباعه (46) ستة وأربعين شخصًا من مطار دار السلام إلى مطار نيروبي، حيث التحق بهم أفراد أسرة السّلطان الذين كانوا يقضون إجازة في ممباسا، وعددهم (13) ثلاثة عشرَ شخصًا، منهم والدته السيدة تُحفة، وشقيقه، السيّد حارب؛ وكذا، أخواته وابنته السيّدة معتوقة. كان السيّد محمّد، شقيق السّلطان، الأصغر منه في السّن مُباشرةً، قد غادر معه من زنجبار. ومن مطار نيروبي كانت المحطة التالية مطار بنغازي، حيث وصلته في تمام الخامسة وخمس وخمسين دقيقة من صباح اليوم التالي، 19 يناير، ونزلوا المطار ترانزيت لمدّة ساعتين تقريبًا؛ ومن مطار بنغازي أقلّتهم الطائرة ذاتها إلى إنجلترا. لم تتمكّن الطائرة من الهبوط في مطار هيثرو (لندن)، لسوء الأحوال الجوّية، فاتّجهت إلى مطار مانشستر.  وفي المطار، أُجري له مؤتمر صحفي، صرّح فيه بالخطّة التي دُبّرت للإطاحة بحكومته.
مكثوا ليلتهم في مانشستر؛ وفي اليوم التالي، نُقلوا جميعًا إلى لندن بالقطار، حيث حطّ جلالة السلطان رَحله وكذا أسرته في فندقٍ جديد في حي (Queen’s Gate)، قريب من قصر باكينجهام، بينما أفراد حاشيته، في  وكذا الشباب الذين كانوا في حمايته، حطّوا في ثكنة (Salvation Army Barracks)، وهي مُتّصلة بالجيش والصليب الأحمر. كان من المقرّر أن يستقر السّلطان في لندن، إلاّ أن الشيخ سالم بن مسعود بن علي الريامي، الذي كان يدرس القانون في مدينة بورتسماوث، التمس منه، وبإلحاح، أن ينتقل معه إلى هذه المدينة الأخيرة، ويتّخذها موطنًا له؛ فما كان من السلطان، الذي تربطه صداقة حميمة بشقيق الشيخ سالم الأكبر، الشيخ عبدالله، إلاّ وأن نزل عند رغبته، وانتقل إلى بورتسماوث، واشترى منزلاً متواضعًا في حي فيكتوريا جروف في سوث سي، لا يزال فيه حتى هذه اللحظات.

المصدر: لقاء أجراه الباحث مع جلالة السلطان جمشيد في بيته في بوتسماوث، إنجلترا، سنة ٢٠٠٦م.

المرجع: كتاب (زنجبار: شخصيات وأحداث)، لمؤلفه ناصر الريامي، ط٣

الناشر: مؤسسة بيت الغشام

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق