مقالات

نحو تأسيس “جائزة السلطان قابوس للسلام العالمي”

كتب: حسن المطروشي

لا يخفى على اثنين أن جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ـ طيب الله ثراه ـ كان قائدا إنسانيا استثنائيا، ومن القادة التاريخيين المتفردين القلائل. ورغم حبه لوطنه وتضحياته من أجل رفاهية شعبه وحرّيته وتحقيق أحلامه واستعادة مجده العظيم، إلا أن اهتمامه كان يتخطى ذلك بكثير، فقد حمل جلالته منذ بداية عهد نهضته المباركة همّ الإنسان أينما كان في بقاع هذه الأرض، ساعيا بكل الوسائل من أجل عالم أفضل للبشريّة، تسود فيه قيم العدالة والرخاء والحرية والسلام والتعايش والوئام بين الدول والشعوب. وقد عمل على ذلك طيلة توليه مقاليد الحكم في عُمان، إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، حيث ترقد روحه بسلام في مقعد صدق عند مليك مقتدر. 

لقد استطاع جلالة السلطان الراحل، رحمه الله، توحيد أبناء عُمان، على اختلاف أعراقهم ومذاهبهم وأعرافهم وتقاليدهم، ليجمعهم تحت راية وطنية واحدة، متناسين كل أضغان الماضي وخلافاته وصراعاته، ليتوحدوا تحت راية واحدة في مجتمع متآلف متعايش، أصبح مضرب المثل في الاعتدال والانسجام والتسامح، وهي القيم التي غرستها في نفوسهم الرؤية القابوسية الحكيمة. أما على المستوى الخارجي فقد أعلن جلالته عن ثوابت سياسته وعلاقات عُمان مع الدول والشعوب، التي تقوم على حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الغير وحل الخلافات عبر الحوار والعمل من أجل إعلاء قيم السلام والحرية والعدالة. وقد بقيت تلك القيم راسخة تمثل ثوابت الاستراتيجية العمانية، مستمدة عمقها من التاريخ الحضاري لعُمان، ومتأصلة في مسار الدول الحديثة في علاقاتها مع العالم.     

جوائز عالمية

هذه السياسة العمانية التي اختطها جلالة المغفور له، بإذن الله، والتي جعلت من السلام قيمة إنسانية عليا، كانت محط تقدير العالم، ما جعل العديد من المؤسسات والهيئات المعنية بالسلام تمنح جلالته أرقى الجوائز المخصّصة لخدمة السلام الدولي، تثمينا لدور عُمان وتأكيدا على إسهام جلالته في نشر ثقافة السلام بين البشر. ففي عام 1998 أجمعت عشر من أبرز الجـامعات الأمريكية، إلى جانب مجموعة كبيرة من مراكز البحوث والدراسات السياسية والاستراتيجية المشهود لها عبر العالم، على منح جلالته (جـائزة السلام الدولية). وقد قال حينها الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، في حفل تسليم الجائزة في العاصمة الأمريكية: (على مر السنين أعجبت شخصيًّا بجهود جـلالة السلطان الشجـاعة لإحلال السلام في منطقته من العالم، لقد نشر جـلالته السلام بطرق عديدة. إن حصول جلالته على جـائزة السلام الدولية ما هو إلا اعتراف دولي بدور جلالته الفاعل في خدمة السلام الدولي. إننا نعتبر جلالته مصباحـًا منيرًا لمحبي السلام).

وفي عام 2004 أعلنت الهند منح حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد ــ تغمده الله بواسع رحمته ــ جائزة (جواهر لال نهرو للتفاهم الدولي) المرموقة، التي يديرها المجلس الهندي للعلاقات الثقافية، تقديرا لدور جلالته في تعزيز أواصر المودة والصداقة بين الشعوب. وفي عام 2007م أعلنت الجمعية الدولية الروسية عن منح جائزة السلام لجلالة المغفور له، بإذن الله، اعترافا بجهوده وتقديرا لإسهامه في ما يخدم السلام والعدالة وفعل الخير في العالم. 

مبدأ راسخ

إن المتتبع لتجربة النهضة المباركة ومساراتها التي أرساها جلالة السلطان قابوس، تغمده الله بواسع رحمته، يدرك أن قيمة السلام كانت مبدأ راسخا ضمن ثوابت الرؤية القيادية لجلالته، منذ بداية عهده، وظل يعمل على توطيد هذا المبدأ الأصيل في التجربة العمانية الحديثة ونشره كثقافة إنسانية مشتركة بين الشعوب. لذا نجده، رحمه الله، يؤكد على هذه الحقيقة في كل مناسبة وطنية أو عامّة. وسنستعرض هنا جانبا من النطق السامي لجلالته، متوخين التسلسل التاريخي وذكر المناسبة التي ورد فيها الخطاب، من أجل التأكيد على ثبات جلالته على هذا المبدأ الذي اختطه كمنطلق أصيل للسياسة العمانية الخارجية.  

ففي خطاب العيد الوطني الثالث، عام 1973م، قال جلالته: “رسمنا الخطوط العريضة لسياسة بلادنا تلك السياسة التي تتمثل في عدم التدخل في شؤون الغير ورفض أي تدخل في شؤون بلادنا وإقامة علاقات الصداقة والتعاون مع كل الدول المحبّة للسلام وتأييد نضال الشعوب في سعيها لنيل الحرية والاستقلال”. وأكد على ذلك في خطاب العيد الوطني الخامس، عام 1975م، قائلا: “نمد أيدينا للسلام حرصا على الوئام وحسن الجوار”. وفي خطاب العيد الوطني السادس، عام 1976، قال مخاطبا شعبه وحكومته: “نهيب بكم أن تقطعوا على أنفسكم معنا عهدا جديدا لخدمة بلادنا وقضية الحرية والسلام”.

وقال، رحمه الله، في خطاب العيد الوطني العاشر، عام 1980م: “كل ما نريده فقط هو أن نترك وكل بلدان المنطقة في سلام، وأن نلعب دورنا في خدمة قضية السلم العالمي”. وفي خطاب العيد الوطني الحادي عشر، عام 1981، أكد مجددا على استحضار هذا المبدأ مخاطبا العالم أجمع: “إننا لا نرفض صداقة أحد، بل نؤمن إيمانا راسخا بأن مستقبل هذا العالم يكمن في التعايش السلمي والتعاون البناء بين البشرية جمعاء”.

وجدد مخاطبته لضمير قادة العالم في خطاب العيد الوطني الخامس عشر، عام 1985، قائلا: “نجدد مناشدتنا للقادة في مختلف أرجاء المعمورة أن يكثفوا مساعيهم من أجل تحقيق تطلع البشرية إلى عصر يسوده السلام والتعاون”. وفي خطاب العيد الوطني السادس عشر، عام 1986، تضرع لله عز وجل “بأن يعم السلام والوئام العالم أجمع، وأن تعمل البشرية لما فيه خيرها وصلاح أمورها وتسوي خلافاتها بالطرق السلمية لتجنب الناس الأبرياء ويلات الحروب والدمار”. وبعد عام من هذا الخطاب، وفي خطاب العيد الوطني السابع عشر، عام 1987، أكد جلالته قائلا: “إننا جزء من هذا العالم نتفاعل مع ما يدور حولنا من أحداث بكل الإيجابية والوضوح ونكرس كل إمكانياتنا للمشاركة الموضوعية والفعالة لخدمة قضايا السلام”.

وفي خطابه السامي بمناسبة العيد الوطني الثامن عشر، عام 1988، يذكر جلالته من جديد بمبادئ السياسة العمانية قائلا: “سياستنا التي ننتهجها منذ البداية بكل الإيجابية والوضوح والتي تقوم على أساس من الإيمان الراسخ بمبادئ التعايش السلمي بين جميع الشعوب وحسن الجوار بين الدول المتجاورة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير والاحترام المتبادل لحقوق السيادة الوطنية”. وفي الخطاب ذاته أكد، رحمه الله قائلا: “نكرس إمكانياتنا للمشاركة المخلصة في تعزيز فرص السلام والأمن على كافة المستويات الإقليمية والدولية”.

وفي خطاب العيد الوطني العشرين، عام 1990، شدّد على ذلك بقوله: “نؤكد اليوم من جديد على الاستمرار في سياستنا التي تقوم على الإيمان بمبادئ التعايش السلمي بين جميع الدول والشعوب والاحترام المتبادل لحقوق السيادة الوطنية وحسن الجوار بين الدول المتجاورة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير”.  وفي الخطاب السامي بمناسبة العيد الوطني الحادي والعشرين، عام 1991، أكد جلالته قائلا: “نحن نمدّ يد الصداقة والتعاون إلى كافة الدول التي تلتقي معنا على مبادئ التعايش السلمي بين جميع الدول والشعوب والاحترام المتبادل لحقوق السيادة الوطنية”.

ويمضي جلالته، رحمه الله، في خطابه السامي بمناسبة العيد الوطني الثاني والعشرين، عام 1992، في التأكيد على النهج الحكيم للسياسة العمانية قائلا: “إننا نسعى بكل طاقاتنا وإمكاناتنا للإسهام في خدمة قضايا السلام على كافة المستويات الإقليمية والدولية ملتزمين في مواقفنا الوضوح والصراحة والموضوعية والنهج العقلاني في تناول الأمور”. 

كما أكد جلالته تمسكه وثباته على هذا النهج القويم في خطاب العيد الوطني الثالث والعشرين، عام 1993، إذ قال: “نسعى جاهدين إلى الإسهام في إرساء د‏عائم السلم وتخفيف معاناة الشعوب التي تكابد ويلات الحروب والظلم والاضطهاد”. وفي خطابه السامي بمناسبة العيد الوطني الرابع والعشرين المجيد، عام 1994م، قال مقولته الشهيرة التي ذهبت على كل لسان: “إن السلام مذهب آمنّا به ومطلب نسعى إلى تحقيقه دون تفريط أو إفراط”. وها هو في خطابه السامي بمناسبة العيد الوطني الثامن والعشرين يشدّد على أن “السلام هدف الدول، ذلك مبدأ من المباد‏ئ التي توجه سياستنا الداخلية والخارجية”.

وقد كان السلام مبدأ ثابتا لدى جلالته، رحمه الله، وقناعة راسخة في فكره السياسي دوما. وهو ما فتئ يؤكد عليه ويدعو له في كل مناسبة وخطاب. فنجده في خطابه السامي بمناسبة الانعقاد السنوي لمجلس عُمان، عام 2001، ما زال متمسّكا بخيار السلام وفيّا له داعيا إليه في كل بقاع المعمورة. وفي هذه المناسبة قال رحمه الله: “نحن على يقين من أن إقامة السلام وصيانته في العالم أمران ضروريّان لخير البشرية جمعاء”. وفي الانعقاد السنوي لمجلس عُمان عام 2002 يقول جلالته: ” ندعو إلى التعايش السلمي بين الأمم وإلى التفاهم بين الحضارات وإلى استئصال أسباب الكراهية والضغينة التي تتولد في نفوس من يعانون من الظلم وعدم المساواة ففي ذلك الخير كل الخير للبشرية جمعاء”.

وفي الانعقاد السنوي لمجلس عُمان عام 2004م يؤكد جلالته مجددا على أن  سياستنا الخارجية “قائمة على ثوابت ومبادئ أساسية معروفة لا حياد عنها تتمثل في مناصرة الحق والعدل والعمل المتواصل مع بقية دول العالم المحبة للسلام على تسوية النزاعات الدولية بطرق الحوار”. وفي الانعقاد السنوي لمجلس عُمان عام 2006 يؤكد: “نحن ملتزمون بهذا النهج الذي يقوم على مناصرة الحق والعدل والسلام والأمن والتسامح والمحبة”.

وتستمر مسيرة السلام بقيادة السلطان قابوس، رحمه الله، كنهج أصيل وأحد الثوابت الراسخة للنهضة العمانية الحديثة. إذ يؤكد ذلك مجددا في الانعقاد السنوي لمجلس عُمان عام 2007م، قائلا: “إن معالم سياستنا الداخلية والخارجية واضحة فنحن مع البناء والتعمير والتنمية الشاملة المستدامة في الداخل ومع الصداقة والسلام والعدالة والوئام والتعايش والتفاهم والحوار الإيجابي البنّاء في الخارج هكذا بدأنا وهكذا نحن الآن وسوف نظل بإذن الله كذلك”.

ومثلما وعد في خطابه السابق يعود مجدّدا ليؤكد على ذات الحقيقة في خطابه بمناسبة الانعقاد السنوي لمجلس عُمان عام 2008م، حين قال: “إن التعاون وتبادل المنافع والمصالح بين الدول في ظل الوئام والسلام أمر في غاية الأهمية يجب أن نسعى إليه جميعا بكل جدّ وإخلاص”. وأكد ذلك في الانعقاد السنوي لمجلس عُمان عام 2009، حين قال: إن سياستنا الخارجية معروفة للجميع، وهي مبنية على ثوابت لا تتغير، قوامها العمل على استتباب الأمن والسلام والسعادة للبشرية كافة”.

وتظل هذا السياسة ثابتة متمسكة بمبدئها الأصيل الذي قامت عليه، لا تحيد عنه، منذ فجر نهضتها الأول، يكرره جلالته في خطابه السامي بمناسبة الانعقاد السنوي لمجلس عُمان عام 2012م، حين قال: “أما سياستنا الخارجية فأساسها الدعوة إلى السلام والوئام والتعاون الوثيق بين سائر الأمم والالتزام بمبادئ الحق والعدل والإنصاف وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير وفض المنازعات بالطرق السلمية وبما يحفظ للبشرية جمعاء أمنها واستقرارها ورخاءها وازدهارها”.

من خلال هذه الخطابات السامية تتضح أمامنا رؤية إنسانية شاملة لدى جلالته، طيّب الله مثواه، إذ كثيرا ما يؤكد على البعد الإنساني الشامل في نطقه السامي مثل قوله: “البشرية جمعاء” و”البشرية كافة” و”الأمم والحضارات” وغيرها من المنطلقات التي كانت واضحة في فكر جلالته ونطقه؟؟؟ السامي، وهو ما جسده نهجه الحكيم خلال خمسين عاما من توليه مقاليد الحكم في البلاد، وشهدت به الدول والحكومات. 

جائزة السلام

إننا على يقين بأن عُمان قدمت الكثير من أجل إعلاء قيم السلام والحرية والعدالة والمحبّة بين شعوب العالم. من هذه الجهود ما نعلمه ومنها ما لا نعلمه. وإننا على يقين بأن عُمان ستمضي على نهجها الحكيم وتترسم خطى باني نهضتها الحديثة في علاقاتها مع العالم وتبذل قصارى جهودها من أجل التعايش والوئام عالميًّا، وقد بات لديها الرصيد؟؟؟؟؟؟ والتجربة والمصداقية التي تؤهلها لهذا الدور بجدارة واستحقاق. 

وانطلاقا من كل هذه الثوابت، وتعزيزا لدور السلطنة في صناعة السلام، وتخليدا لكل الإسهامات التي رسخها جلالة المغفور له، بإذن الله، جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور، في دعم جهود السلام، وإحياء لإرثه العظيم، فإننا نقترح أن تتبنّى السلطنة إطلاق جائزة تحمل اسم “جائزة السلطان قابوس للسلام العالمي”. وهي جائزة سنوية تمنح للأشخاص والهيئات الاعتبارية التي تقدم جهودًا واضحة وملموسة ومؤثّرة في تعزيز السلام العالمي بين الدول والشعوب. ويمكن أن تتبع هذه الجائزة مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، أو أي جهة أخرى مناسبة تراها الجهات المعنية. على أن يكون للجائزة مجلس أمناء يضع نظامها الأساسي ويشرف على الترشيحات ولجان الاختيار والتحكيم، وغيرها من الإجراءات التي تضمن النزاهة والحيادية ودقة الاختيار، من أجل أن تحتفظ الجائزة بقيمتها الحقيقية، باعتبارها تحمل اسم باني نهضة عُمان، جلالة السلطان قابوس، رحمه الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق