مقالات

مطرح .. ذكرياتٌ لا تنسـى

بقلم / أحمد بن سعيد الأزكي

عندما طُلِبَ مني كتابة مقال عن ولاية مطرح بِحُكم أنني من مواليدِها والساكنين فيها خلال فترة الستينيات والسبعينيات وجزءٍ من الثمانينيات ولأنَّ مجلة التكوين في هذا العدد قدْ خصصتْ ملفاً متنوعاً عن هذه المدينة العريقة الضاربةِ في أعماق التاريخ والراسخة الجذور والأركان فيه تبادر إلى ذهني مباشرةً نفس الطلبِ الذي طلبه مني أخي وصديقي العزيز ورفيق دربي الفني الفنان المرحوم سالم بهوان رحمه الله تعالى وأسكنه فسيحَ جناته حيثُ تجسَّدَ طلبه مني في كتابة ِمسلسل تلفزيوني طويلٍ وضخمٍ من حيثُ الإنتاج والإمكانيات تدورُ أحداثه في مطرح خلال فترة الخمسينيات والستينيات حتى تسلُّمِ جلالة السلطان قابوس بن سعيد حفظه الله ورعاه الحكم في عُمان في مطلعِ السبعينيات.

وكانت الفكرة أنه ربما تستمر أحداثُ المسلسل حتى يومنا هذا، ويعتبر المسلسل من المسلسلات ذات السلسلة الطويلة، فقدْ شرعنا مباشرةً في وضعِ التصوراتِ الأولى لكتابة المسلسل المطلوب، فاستحضرتُ مطرحَ بكل تفاصيلها حاراتها وأسواقها وطرقها وأزقتها وشخصياتها المتعددة المعروفة والمشهورة، وكنت على وشكِ البحث عمَّا لا أعرفُه من الأحداثِ الحقيقية من تاريخ مطرح، وبدأتُ أرسمُ ملامح الشخصيات الدرامية التي سوفَ تدور حولها أحداثُ هذا العمل الدرامي الضخم والذي كانَ من المفترضِ انْ تبنى له مدينةُ مطرح في حقبة الخمسينيات في إحدى مُدنِ الهندِ الساحلية وذلك لأجلِ توفر احتياجات الإنتاج هناك من المواد الخام والأيدي العاملة، وقدْ بدأنا بمخاطبة المسؤولين في الدولة لأجلِ إنجاز هذا العمل من خلال توفير الميزانية الضخمة التي يحتاجها لأنه سوفَ يسجَّلُ حقبةً مهمةً من تاريخ عُمان..

لكنَّ المنيةَ باغتتْ صاحبي سالم بهوان قبلَ أنْ يرى هذا المشروعُ النور، وأنْ يجسَّدَ هذا الحلمُ على أرضِ الواقع، وبقي المشروعُ حبيس الأدراج، ولأجلِ ذلك كانَ لابدَّ من الإشارةِ إلى هذه الجزئية الخاصة بمطرح من الجانبِ الفني قبلَ الشروعِ في كتابة مقالٍ للحديثِ عنها، لأنَّ مطرحَ في حقيقة الأمر لا يكفيها مقال للحديث عنها ولا أُبالغُ لو قلتُ إنَّ مطرح تحتاج إلى كتبٍ ودراسات لتوثيقها، ولاشك أنه يشاطرني الرأي كلُ مَنْ يعرفُ مطرح أو حتى أولئكَ الذين سمعوا عنها فقط، فلا أعلمُ كاتبا يعرفُ من أينَ سيبداُ حديثه عن مطرح إذا ما أراد الكتابة عنها، ومن أيِ حقبةٍ تاريخيةٍ سوفَ يبدأ، فمطرح هي إحدى أهم المدن في التاريخ العُماني إذ يعود عمرها للألف الثالثة قبل الميلاد، وأما عن موقعها فتقع في الجزء الشمالي الشرقي من السلطنة، حيث تطل على شاطئ بحر عُمان الذي يرتبط هو الآخر تاريخياً وجغرافياً بالهند والصين وبلاد فارس وشرقي أفريقيا وكذلك البحرين وهو ما جعلها منطقة تجارية مهمة عبر التاريخ..

فماذا عساي أنْ أقولَ عن مطرح؟

يحقُ لي أنْ أقولَ إنَّ مطرح هي مدينة الجميع ولذلك تتعددُ فيها اللغات واللهجات وتتنوع أشكالُ وألوان البشر فيها أكثر من غيرها، فمنهم مواطنون وآخرون مقيمون من جنسيات عديدة وهنالك سواح زائرون من كافةِ بقاع العالم، ولكنْ على المستوى المحلي لا أعتقد أنَّ ثمةَ بشرا من أبناء عُمان لم يزرْ مطرحَ في حياته كما أنه لا يوجدُ سائح وطِئتْ قدماه أرض السلطنة ولم يزرْ مطرح ولم يمشِ في أسواقها ولم يشتمَّ عبقَ تاريخها وعطر بهارتها التي تأتي من الهند وغيرها من الدول.

ماذا عساي أنْ أقولَ عن مطرح؟

هل أتحدثُ عن سوقها الرئيسي الذي يحملُ اسمها؟ سوقها الذي قامتْ بلدية مسقط بتجديده منذ سنوات مع الحفاظ على هويته العمانية التاريخية والتراثية والإسلامية، ذلك السوق الذي يزيد عمره على مئات السنين والذي سيبقى بقدر ما تبقى الحياة على وجه الأرض، كما هو باقٍ في نفوسنا وعقولنا وقلوبنا فكم صلتُ وجلتُ في ذلك السوق وأنا صبيٌ صغير حيثُ يتصدره دكانُ جدي ناصر بن سعيد الأزكي بائع جلود الحيوانات المدبوغة وغير المدبوغة وصاحبِ تجارة الليمون المجفف والثومِ العماني وصوفِ الحيوانات صاحب تلك التجارة التي غطَّتْ السوق المحلي وتعدته إلى أسواقٍ أخرى خارج عُمان مثل الهند والسودان واليمن وأفريقيا حتى وصلتْ إلى الصومال، نعم وصلتْ تجارة جدي إلى الصومال، فقد اطلعتُ في طفولتي إلى بعض   المكاتبات والمخاطبات التي كان يصيغها ويكتبها له المرحوم عمي علي بن ناصر الأزكي والذي كانَ يعملُ في محل والده رحمهما الله، حيثُ جاءَ في كثير من المخاطبات “إنَّ شحنة كذا وكذا من الجلود واللومي اليابس والثوم قد تم شحنها بالباخرة الفلانية….” وترسل الرسالة الأصلية مع البضاعة وتبقى النُسخ المكربنة في مكانها..

ماذا عسايَ أنْ أقولَ عن مطرح؟

مازلتُ أستشعرُ وقوفي أمامَ دكانِ جدي في السوق وشريطُ الذكريات يمرُّ بي سريعاً من زاويةٍ إلى أخرى في مطرح العريقة وأسواقها المتعددة مثل سوق الظلام الذي خُصصَ بالدرجة الأولى لتجارة الأقمشة وكذلك بيع التحف التراثية والتاريخية وهو سوق ضيقٌ في ممشاه والمحلات فيه متقابلة ولا أعتقد أن عرض الممر في هذا السوق يزيدُ على أربعة أمتار وينتهي إلى بعضِ المحلات الصغيرة التي كانت تبيعُ أدوات الصيد البحري وما تحتاجه قوارب الصيادين..كما لا يمكنُ تجاهلُ سوق السمك الذي لا يبيعُ إلاَّ الأسماك الطازجة ولا مكانَ للأسماك المثلجة سابقاً، والذي لم يذهبْ باكراً  في فترة السبيعينات– وأعني ما أقولُ بكلمة باكراً – إلى سوق السمك فإنه لنْ يحصلْ على مراده من الأسماك لأنَّ هذا السوقَ سرعانَ ما تنفد الأسماك منه، حيثُ يبدأ السوق بممارسة نشاطه اليومي منذُ الفجر ولنْ يستمر إلى أكثر ما بعد الساعة العاشرة صباحاً، ففي هذا الوقتِ لن تجدَ أيَّ أحدٍ من الصيادين، ولن تجدَ بائِع سمك واحدٍ  أو قطعة سمك واحدة، فالوضعُ في تلك الفترة ليس مثلَ أيامنا هذه، فنحن الآنَ نستطيع أنْ نتسوق السمكَ في أيِ وقتٍ من اليوم ومتى ما نشاء..

من جانبٍ آخر هناك سوقُ الذهبِ والمشغولات الفضية وهو سوق مهم جداً وأكثرُ مرتاديه من النساء طبعاً إمَّا لشراء الذهبِ أو بيعه أو استبداله بصياغة ونقوشٍ أُخرى جديدة.

ماذا عسايَ أنْ أقولَ عن مطرح؟

إنَّ مطرحَ ليستْ مجرَّد سوقٍ فقط كما يتبادرُ إلىأذهانِ البعض، لكنها مدينةٌ تاريخية مهمة فمطرح تاريخ وحضارة وفنون وآداب وعلوم وميناء تجاري ومدينة اقتصادية، هذا عدا سحرِ جمال بحرِها ونسيمه العليل الذي يخلبُ الألباب ويأسر القلوب، فلمجرد أنْ تمشي على رصيفِ شارعها البحري إلاَّ وتظنُّ نفسَك أنك شاعر يحلِّقُ في علياءِ سمائها مثلما تحلقُ تلك النوارس الجميلة التي تحملُ لوحة السلام بلونها الأبيض الناصع البياض، حينها يصبحُ صمتك أبلغَ من كلامِك فلنْ تجدَ صمتا أروعَ من الصمت عند تتأمل بحر عُمان في مطرح، فأنت حينما تحلِّقُ في العلياءِ بفكرك سترى قلعة مطرح شامخة فوق الجبل، هذه القلعة كانت تستخدم في السبعينيات من القرن الماضي سجنا للموقوفين والخارجين على القانون وقدْ دخلتها بصحبةِ أحدهم وقد حملَ طعاماً لأخيه السجين فهالني ذلك المنظر وبناؤها العجيب، فهي حقاً عجيبة من عجائب الزمان إذْ كيفَ استوت تلك القلعة على قمة الجبل، فمن تلك القلعة العجيبة تستطيع أنْ ترى مطرح كلها تقريبا، فقدْ بُنيتْ تلك القلعة في مكانٍ استراتيجي مهم، فهي تشرفُ على البحر بامتداد البصر حفظاً وحماية لمينائها القديم الذي تطور بعد ذلك في عهد النهضة المباركة ليصبَح ميناء السلطان قابوس، كما تشرف القلعة أيضاً على المداخل البرية لمطرح ومن جميع الجوانب أيضاً..من فوق القلعة والتي كانت تسمَّى حتى آخر السبعينيات ومشارف الثمانينيات (الكوت) استطعتُ مشاهدة بيت جدي ناصر بن منصور الخصيبي الذي يقعُ في حارة الدلاليل في مطرح وهي غير حارة الدلاليل التي في مسقط، تشابه الاسمان واختلفتِ الحارتان، واستطعتُ مشاهدة بريد مطرح القديم ومكتب الوالي وحارة مطيرح ولخيصة وبطبيعة الحالِ شاهدت ميناء السلطان قابوس وبحر عمان لمسافات طويلة جداً، وقد حاولتُ كثيرا مشاهدة بيتنا في حارة الدكة التي تقع خلف حارة الدلاليل ولكن دونَ جدوى إلاَّ أنني رأيتُ بوضوح وادي خلفان الشهير في مطرح حيثُ تقع حارتنا القديمة بمحاذاته في مكانٍ مرتفع، ولذلك سميت الحارة بالدكة بسببِ ارتفاعها عن مستوى الوادي، حيثُ إنَّ هذا الوادي يعدُّ من أكثر أودية مطرح رعونة وشدَّةً وقوة، فإذا ما استشعرَ الناسُ هطول الأمطار هربوا بسياراتهم إلى الدكة حيثُ الأمان، ومن يتأخر عن ذلك فليبحثْ عن سيارته في مسارِ الوادي أو فليستلمها من أمام كواسر الأمواج ، هذا إذا وجدها أصلاً..

ماذا عسايَ أنْ أقولَ عن مطرح ، فالقول فيها قليل مهما كثر، فلا يمكنني حصر ذكرياتي عنها في مقال، فكل زاوية في مطرح تنبض بالحياة وتسرد حكايات وأخباراً وشهدتْ تاريخا وأحداثا، ومرَّتْ بها شخصيات عديدة، لعلي أستطيع تحقيق حلمِ صاحبي سالم بهوان وأكتب المسلسل الذي كنا خططنا له سويا من قبل لأنَّ المسلسل المتعدد الأجزاء يتيح لي مساحاتٍ كبيرةً جداً للحديث بإسهاب عن مطرح، وإنَّ مطرح لتستحقُ أنْ نصنع فيها ولها أكثر من عملٍ درامي، فهي ملحمة عظيمة كتبها التاريخ ورسمتها الأجيالُ جيلاً بعد جيل.

نشر هذا المقال في العدد (23) من مجلة التكوين…

 

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق