مقالات

البقرة.. والتعنّت الإسرائيلي

زاهر المحروقي 

تُعتبر بقرةُ بني إسرائيل؛ الأشهرَ على الإطلاق، وقد سُمِّيت أطول سورة في القرآن الكريم باسمها. وتفاصيلُ قصة البقرة باختصار، أنها حدَثَتْ في عهد سيّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا السلام؛ حيث قام رجلٌ من بني إسرائيل بقتل عمِّه طمعاً في إرثه، إذ أنه كان وارثه الوحيد، ثم قام بنقله إلى منازل حيٍّ غير حيِّه الذي يقيم فيه لإبعاد الشبهة عن نفسه، وقام بعدها بالمطالبة بدمه لدى أهل الحيِّ الذي عُثِرَ على الجثة فيه، فأنكروا الجريمة، واحتدم النزاع بين أهل الحيّ وبين ابن أخي الميّت؛ فأشار عليهم أحدُهم بعرْضِ الأمر على نبيّ الله موسى عليه السلام. فأوحى الله إلى موسى بأنَّ على قومك ذبح بقرة وتقطيعها وضرب جثة الميّت بأوصالها. وقد تمّ الأمر، وقام الميِّت حيّاً بإذن الله وتكلّم وأخبر بقاتله، ثم عاد ميّتاً في الحال.
ليست العبرةُ في معجزة النبوّة بعودة الميّت وإخباره بقاتله فقط؛ وإنما فيما أشار إليه القرآن الكريم من تعنُّت بني إسرائيل في تنفيذ الأمر الإلهي بذبح البقرة؛ وذلك في الآيات 67 إلى 71 من سورة البقرة؛ والتي قال عنها سيد قطب في تفسيره لها: إنّ السمات الرئيسية لطبيعة إسرائيل تبدو واضحة في قصة البقرة هذه من التلكؤ في الاستجابة للتكاليف، وتلمّسِ الحجج والمعاذير. لقد قال لهم نبيُّهم: إنّ الله يأمرُكم أن تذبحوا بقرة كان جوابُهم سفاهة وسوء أدب، واتهامًا لنبيِّهم الكريم بأنّه يهزأ بهم ويسخر منهم، قالوا: ادع لنا ربّك يبين لنا ما هي؟. قال: إنه يقول إنها بقرةٌ لا فارضٌ ولا بكرٌ، عوانٌ بين ذلك. إنها بقرة لا هي عجوز ولا هي شابة، وسط بين هذا وذاك; لكنهم راحوا يسألون: قالوا: ادع لنا ربَّك يبين لنا ما لونُها؟! قال: إنه يقول إنها بقرةٌ صفراء فاقع لونها تسر الناظرين. وهكذا ضيّقوا على أنفسهم دائرة الاختيار فأصبحوا مكلفين أن يبحثوا لا عن مجرد بقرة.. بل عن بقرة متوسطة السن، لا عجوز ولا صغيرة، وهي بعد هذا صفراء فاقع لونها; وهي بعد هذا وذلك ليست هزيلة ولا شوهاء: تسر الناظرين. كان فيما تلكؤوا كفاية، لكنهم يمضون في طريقهم، يُعقدِّون الأمور، ويشدِّدون على أنفسهم، فيُشدِّدُ الله عليهم. عادوا مرةً أخرى يسألون عن الماهية: قالوا: ادع لنا ربّك يبيِّنُ لنا ما هي. ولم يكن بدٌ كذلك أن يزيد الأمر عليهم مشقة وتعقيدًا، وأن تزيد دائرة الاختيار المتاحة لهم حصرًا وضيقًا، بإضافة أوصاف جديدة للبقرة المطلوبة، كانوا في سعة منها وفي غنى عنها: قال: إنه يقول إنها بقرة لا ذلولٌ تثير الأرض ولا تسقي الحرث، مسلمةٌ لا شيةَ فيها. وهكذا لم تعد بقرة متوسطة العمر. صفراء فاقع لونها فارهة فحسب. بل لم يعد بدٌ أن تكون – مع هذا – بقرة غير مذللة ولا مدربة على حرث الأرض أو سقي الزرع; وأن تكون كذلك خالصة اللون لا تشوبها علامة. هنا فقط.. وبعد أن تعقّد الأمر، وتضاعفت الشروط، وضاق مجال الاختيار: قالوا: الآن جئت بالحق. كأنّما كان كلُّ ما مضى ليس حقًا، أو كأنهم لم يستيقنوا أنّ ما جاءهم به هو الحقّ إلا اللحظة. فذبحوها وما كادوا يفعلون!!. عندئذ – وبعد تنفيذ الأمر والنهوض بالتكليف – كشف الله لهم عن الغاية من الأمر والتكليف: وإذ قتلتم نفسًا فادّارأتم فيها، والله مُخرجٌ ما كنتم تكتمون، فقلنا: اضربوه ببعضها. كذلك يحيي الله الموتى، ويريكم آياته لعلكم تعقلون»(1)..
***
مرّت سبعون عامًا على إنشاء الكيان الإسرائيلي. وقد استطاعت إسرائيل خلال هذه الأعوام أن تفرض نفسها على الدول العربية، وأن تحقِّق كلَّ ما تريده؛ ليس بفضل قوّتِها العسكرية فحسب؛ بل بصلابتها في المفاوضات وعدم تقديمها للتنازلات، وما اتسم به قادتُها أيضًا من صبر وبصيرة في الوصول إلى الهدف المنشود. وتتعاملُ إسرائيل مع العرب في كلِّ المفاوضات، بالأسلوب نفسه الذي تعاملوا به مع نبيِّهم موسى عليه السلام؛ فلا تنازلات ولا مساومات، وإنّما على العرب أن يتنازلوا عن كلِّ شيء؛ فالإرهاق الذي عانى منه النبيّ موسى، عانى العرب إرهاقًا مثيلاً له ؛ فإسرائيلُ تتعنّت وتراهن على ما يتميّز به العرب من قلة الصبر وسرعة الانفعال والغضب؛ هذا عدا الانقسامات العربية – العربية؛ حتى أصبحت إسرائيل هي التي تقود الأمة العربية عن طريق حلفائها العرب، ممّن يسمون بـ «عرب الاعتدال». والمثيرُ في الأمر، أنّ إسرائيل ظلّت ثابتة في مواقفها، رغم تغيّر كلِّ شيء حولها.
وتحكي الوثائق السريّة التي نشرتْها المخابرات الأمريكية، فصلًا مهما من القصة؛ «فالرئيسُ المصريّ الراحل أنور السادات، رغم أنه خرج منتصرًا من الحرب في أكتوبر 1973، فوجئ في مفاوضاته مع إسرائيل أنهم «منذ البداية كتبوا في أول سطرٍ، واعتبروه غير قابلٍ للتفاوض، أنّ «القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل» (2) .
وإذا كانت إسرائيل أكثر وعيًا وعلمًا وصبرًا وثباتًا، وظلّت ثابتةً في مواقفها، اعتمادًا على التاريخ والأسطورة؛ فإنّ من العجب أن يرى البعض أنّ التفاوض معها هو السبيل الوحيد لاسترداد الأرض والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، رغم أنّ بني صهيون، ليسوا أقلَّ من بني إسرائيل الذين أتعبوا نبيَّهم موسى عليه السلام؛ بل هم أشد تعنّتا. وقد شهدت المفاوضات العربية الإسرائيلية طوال السنوات الماضية، ذلك التعنّتَ الإسرائيلي وذلك الخنوع العربي، سواء كانت المفاوضات معلنة أو سريّة.
كان الرئيس أنور السادات أوّل رئيس عربيّ يفتح حوارًا مباشرًا معلنًا مع إسرائيل؛ وهو الذي أعطاها الشرعيةَ في الوجود، وذلك بزيارته التاريخية لها في التاسع عشر من نوفمبر 1977؛ بعد أربع سنوات وشهر فقط من انتصار مصر في حرب أكتوبر 1973.
ورغم شخصيّة أنور السادات القوية؛ إلا أنه لم يذق الأمرَّيْن فقط من قبل الإسرائيليين؛ بل ذاق كلَّ المُرّ؛ فكانت تلك الزيارة هي بداية التنازلات المصرية ثم العربية فيما بعد لإسرائيل، دون أن تجني مصرُ والعربُ شيئًا إلا سلامًا واهمًا، ممّا جعل الشاعر الكبير نزار قباني يصف حال السادات بعد تلك الزيارة:
عصبيٌّ في مصرَ يصيحُ كالدِّيكِ… وفي القدسِ يمسحُ الأقدامَ
جرّدوه مِن كلِّ شئٍ ولمّا… استهلكوه؛ ألقوا إليه العظامَ
لم يكن الرئيس السادات ذا شخصيّةٍ قويةٍ فقط؛ فقد كان ماهرًا أيضًا في اختيار كلماته، وفي التلاعب بها. ومن ذلك ما رواه محمد حسنين هيكل، أنّ الرئيس السادات استدعاه وأخذه في جولة في السيارة، خوفًا من أن يتنصّت أحدٌ ما عليهما، فأخبره بأنه اتّخذ قرارًا بالحرب ضد إسرائيل؛ فكان أول ما قاله السادات هو:} قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ{(4) . وفي ظنِّي أنّ مَن يتناول حياة الرئيس السادات ومواقفَه وأقواله في رواية، فقد يفوز بجائزة نوبل باستحقاق (5). ففي نشوة انشراحه بالانتصار في حرب أكتوبر، إذا به يفاجئ العالمَ بقنبلة لم يكن العالمُ يتوقعها ولم يكن مستعدًا لها، حين قال في خطابٍ أمام مجلس الشعب المصري: ‏‎ «ستُدهش إسرائيل عندما تسمعني أقول الآن أمامكم، إنني مستعدٌ أن أذهب إلى بيتهم، إلى الكنيست ذاته ومناقشتهم» (6) . وقد انفجرت قنبلة السادات وتطايرت شظاياها في العالم كله؛ إلا أنّ مناحم بيجن، رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومعه القيادة الإسرائيلية تلقفوا تلك القنبلة، فوجّه بيجن دعوة رسمية للرئيس السادات لزيارة إسرائيل، وهي الدعوة التي تمّت تلبيتُها بعد عشرة أيام فقط. وقد ألقى الرئيس السادات خطابًا أمام أعضاء الكنيست الإسرائيلي(7) بحضور كافة النواب وجمهور غفير من الشخصيات الاعتبارية. ورغم أنّ بعض فقرات الخطاب كانت قوية؛ إلا أنّ ما جرى قبل الخطاب، يؤكد التعنت الإسرائيلي، وأنّ الله سبحانه وتعالى قدّم وصفًا دقيقًا للنفسية والشخصية اليهودية. فقد كانت هناك جوانب أخرى للخطاب؛ منها أنّ الرئيس السادات لم ير عازرا وايزمن وزير الدفاع في الاستقبال، فسأل عنه. قيل له إنّه أصيب في حادث سيارة من يومين. يبدو أنّ السؤال وصل لوايزمن، فإذا به يزور السادات في الفندق بعكّاز. وبعد حديث التعارف، سأل وايزمن السادات: هل تنوي أن تشير إلى منظمة التحرير الفلسطينية في خطابك أمام الكنيست؟!. استوضحه السادات عن سبب السؤال!. ردّ وايزمن: «لأنك إذا فعلتَ، ستجد ردّة فعلٍ «منحوسة»(8). وكانت تلك إشارة قويّة، تبعتْها إشاراتٌ أخرى، منها ما أبداه موشيه ديان وزير الخارجية الإسرائيلي حينها، لبطرس غالي وزير الدولة المصرية للشؤون الخارجية، من رجاء ألا تكون في خطاب الرئيس السادات المنتظر في الكنيست أيةُ إشارة إلى منظمة التحرير الفلسطينية؛ «وإلا فإنّ أحدًا لا يستطيع أن يضمن ردَّ فعل بيجن»(9)، ولنا أن نعلم أنّ الموقفين حدثا بُعيد وصول الرئيس السادات مباشرةً إلى القدس. وما حصل بعد خطاب الرئيس السادات كان أشدّ. فبعد خطاب الرئيس السادات، وقف مناحم بيجن ليلقي رده، وكان يرتجله بعد أن خط بقلمه ما لفت نظره وهو يسمع ضيفه. وكان خطاب بيجن – كما يقول محمد حسنين هيكل – كارثةً محققة، فقد أراده حازمًا، لأنه أحسّ في غداء العمل من حديث السادات، أنه ينتظر عرضًا إسرائيليًا يُقدَّم له هديةً، تقديرًا لمبادرته بزيارة القدس، كما أنّ بيجن راوده الشك في أنّ السادات يريد أن يتحدّث إلى الرأي العام العالمي من منبر الكنيست ومن فوق رأس الحكومة الإسرائيلية.
وهكذا فإنّ بيجن في ردِّه على الرئيس السادات، أعاد تكرار كلِّ مواقفه المتشددة المعروفة، ثم قال: «إنّ أحدًا لا يستطيع أن يأخذ شيئًا في مقابل لا شيء». ونزل خطاب بيجن على الوفد المصري كسقوط صخر من جبل. ومع أنّ الرئيس السادات حاول أن يغطِّي وجهه بقناع من الهدوء، فقد كان واضحًا أنّ سيطرته على أعصابه يمكن أن تنفرط في أيِّ لحظة.
وكان هناك عشاء رسمي بعد الخطاب، وأحسَّ بعض أعضاء الوفد المصري، أنه ليس حفل عشاء، وإنما هو مأتم عزاء. فقد كان الرئيس السادات طوال الوقت مقطب الجبين، صامتًا وغارقًا في أفكار يظهر أنها كانت تذهب به إلى بعيد، وكان الوحيد الذي حاول تبديد كآبة الجلسة، هو عزرا وايزمن، وقد راح يلقي بعض النكات المصرية التي يعرفها. كان الضيق قد بلغ بالرئيس السادات مبلغه، وقال بنبرة أرادها مؤثرة ما نصه: «يظهر أنه ليس أمامي في المؤتمر الصحفي المشترك، الذي سأعقده مع رئيس الوزراء بيجن، سوى أن أعلن فشل مبادرتي وأعود إلى القاهرة» (10).
وفعلا عاد الرئيس السادات إلى القاهرة خاويَ الوفاض؛ رغم أنّ الإعلام المصري، حاول أن يصوِّر الأمر بأنه انتصارٌ مصريّ، وأنّ الرئيس السادات سبق زمانه؛ إلا أنّ الحقيقة هي أنّ كلَّ ما جرى بعد ذلك كان نتيجة من نتائج تلك الزيارة، والتي بسببها واجهت القاهرة مقاطعة عربية واسعة، حتى يوم السادس من أكتوبر من عام 1981، حين جرى اغتيال الرئيس السادات أثناء عرض عسكري بمناسبة مرور ثماني سنوات على حرب 1973.
وما فعله الإسرائيليون في مفاوضاتهم مع الرئيس السادات، كرروه مع كلِّ الوفود العربية التي فاوضتْهم. وما زال العرب يقدِّمون التنازلات تلو التنازلات، ويؤمنون أنهم يحقِّقون «سلام الشجعان».
لقد استلهم بنو صهيون من الماضي ذلك العناد، وتلك القسوة. وقصةُ بقرة بني إسرائيل في القرآن خيرُ شاهد على تعنّت القوم في الوقت الحاضر، ولكن لم ينجحوا إلا لأنّ العرب ضعفاء، ولأنّ من يؤذِّن بالجهاد قد اختفى. ولم يقتصر الأمر على الجهاد؛ بل توقّف الأذان المنادي بالحريّة والعدل والمساواة والنهضة، فكانت النتيجة هي الجمود والتراجع والتقهقر إلى الوراء. والأمرّ من ذلك والأدهى أن تتسابق الدول العربية الآن لكسب ود إسرائيل، وأصبحت هي التي تقود بعض الأنظمة العربية، وهي التي تحدِّد سياساتها وتحدِّد من هو العدو ومن هو الصديق؟!.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق