مقالات

مشاعر مسرحية

أنور محمد

جسد
جَسَدُ الممثِّل على المسرح أو في الصورة «السينافيزيونية» هو جسدٌ نقدي, غير أنَّه عند بعض الممثِّلين صار جسدًا تذكاريًا, فتمَّ استعماله بطريقة فظَّة ومكرَّرة كما يفعل الكثير من الممثلين الذي يكرِّرون جسدهم في العديد من العروض المسرحية وكذا التلفزيونية (!!؟؟), إذ يستعملونه استعمالًا تقليديًا دون إثارة مشاعر دور الشخصيات التي يؤدِّونها, فكان إحساسهم بالبؤس كما الطموح, وبالحريَّة كما العبودية,مع إنَّه في أدوارهم هذه لم يقوموا بفكِّ طلاسم أو رسالات مشفَّرة, فلم يكونوا يبذلون جهدًا فيه نشاط وإثارة بدنية كما ممثلي السيرك وأفلام المغامرات. مع ذلك فهم يعرفون أنَّه ما مِنْ صورة/حركة مجانية. فالصورة في أيِّ مشهدٍ هي صورة مثقلة بالمعاني والإشارات؛ حتى تلك الصورة (الأم) التي في المسرح عندما يتمُّ تجسيدها فيجب أن نتفرَّج, أن نشوف فيها السامي والمنحط؛ كما لو أننا نمثِّل «دون كيشوت» فيُفرجينا السامي والمضحك, وكما لو أنّنا نمثِّل «سانتشو» فيُفرجينا المنحط والمؤثِّر.
فالممثِّل حتى لو لم يدرس تلك الدراسة الأكاديمية فهو يمتلك مشاعر جمالية أوَّلية – وعلى فطرتها- إنَّما هي برأينا مهمَّة, لأنَّها مشاعر عملية, مشاعر فيها انفعالات جمالية, فالممثِّل جسدٌ وروح حتى لو أدَّى دور الشجرة, لأنَّ النظر إلى الشجرة يبعث فينا إحساسًا بالسرور, خاصة وأنَّ الممثل يجب أن يميِّز دائمًا بين جسدٍ يومي؛ جسدٍ يذهب إلى العمل وإلى الزيارات وإلى المشافي وإلى السجون والمقاصل, وإلى غرف النوم والحمَّامات والمسابح والحدائق, ويركب السيارات والطائرات بل والحمير والخيول, وبين جسدٍ احتفالي يذهب إلى أماكن العبادة أو الحروب المقدَّسة دفاعاً عن وطن أو عقيدة. ففي كثيرٍ من الأدوار التي يؤدَّيها الكثير من الممثلين كان جسدهم خاليًا بل مسحوبًا منه التعب والانتظار والمشاعر والأفكار, ولا شيء مخزًّنٌ فيه سوى الغرائز وتلك الفتحات التحريضية كالفم.
إنَّ الجسد في -السينما وفي التلفزيون, كما هو على المسرح, يمكن أن يصير شبحًا, ويمكن أن يبقى مادةً تشريحية وفيزيولوجية, لكنَّه في الحالين يتمدَّد ويتقلّص وربَّما ينفجر. لأنَّنا يجب كمتفرجين أن نقرأ عليه المشاعر والانفعالات بل أن نرى بعضًا من أساطيره وأسراره وبمنتهى الأناقة التمثيلية.

فخر
لماذا لا نفخر بأنَّ عندنا كتَّابًا مسرحيين مثل الفْرِد فرج ونجيب سرور وسعد الدين وهبة وعز الدين المدني وسعد الله ونوس وممدوح عدوان ومصطفى كاتب وفرحان بلبل وصقر الرشود وآخرين ؟.
الانجليز يفخرون بأنَّ عندهم شكسبير وهنريك ابسن وجورج برنارد شو، ولا يزعلون لأنَّه ليس عندهم واحد من مثل موليير الفرنسي. الأمريكان لا يعتزُّون بإدوار ألبي ولا بآرثر ميللر ـ الآن هم كأمَّة شكَّلت قوميتها، شحدتها من على الطرقات، تفخر وتعتز بأنَّ لها أنياباً ومخالب, وهي قادرة على افتراس الحياة. قلنا ـ الانجليز بعكس الأمريكان يفتخرون بأدبائهم ومفكِّريهم، وهم ليسوا مثل اليونانيين الذين لا يحكون بأنَّ لهم فضل اكتشاف وتأسيس المسرح، وأنَّهم مَنْ وَلَدوا يوربيدس وأرسطوفانيس وإسخيلوس وسوفوكليس. ‏
لماذا نبهدل حالنا، وحالنا أحسنُ حالًا من حال غيرنا الذين ليس عندهم كتَّاب مسرحيين مثل كتَّابنا. ترى هل لأنَّه صار عندنا كُتَّاب لم يعد عندنا خشبة؟ فمسرحنا صار يرجع، يتراجع.
هل هو الهدم ـ هدم الفن المسرحي، هدم الانفعال وجمال الفكر الإنساني ؟! أَمْ أنَّ مسرحنا العربي يعيش مأساة غرامية، فلا نعرف من هي عشيقته وهو يتنقل بين أيدي الساسة الذين يحرِّمون عليه أن يعشق أحدًا سواهم أو يتهمونه بالزنا وحينها يرجمونه بالحجارة حتى الموت ولا تُقبل فيه شفاعة؟.
أين الولادات الجديدة للمسرح العربي؟ لماذا لا نوليها العناية، نحيطها، نقيها شرَّ الأشرار؟؟. في الماضي السحيق وحتى الماضي القريب، كان الولد حتى لو كان لقيطًا، عندما يبدأ يرسل أوَّل إشارات الإبداع في أيِّ جنسٍ أدبي أو فكري أو علمي سرعان ما نرى الآباء يقتتلون لتبنِّيه، فليس من وَلَدٍ من دون والد ـ فلماذا نئِدُ المولودَ مسرحنا الذي من والدٍ شرعي – وقد وُلِدْ؟. ‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق