العام

ضع قناع الأوكسجين الخاص بك .. أولا

أخبرني أحد الأطباء الشباب أن زوجته غالبا ما تعبر عن استيائها لأنه يقضي جل وقته في العمل يستمع إلى مشاكل مرضاه وأحيانا زملائه، يتعاطف معهم كثيرا ويساندهم، ولكنه في البيت لا يعير زوجته وأولاده نفس الاهتمام، فتجده إذا طرحت عليه مشكلة ما، مهما كانت بسيطة، يسارع إلى اقتراح الحلول دون أن يستمع إليها، أو أحيانا يصف ما تخبره به من مشاكل بـ «هموم المترفين». أخبرت الزميل مبتسما، أهلًا بك في عالم الأطباء. ياعزيزي كلنا ذلك الرجل.

د. حمد بن ناصر السناوي
استشاري أول ـ الطب السلوكي

ومما لفت انتباهي أخيرًا وأنا أتصفح كتابا عن التعاطف مع الآخرين أن الظاهرة التي أخبرني بها الزميل الشاب منتشرة جدا بين الأطباء ويمكن تفسيرها بأن الشخص يستنفد التعاطف خلال ساعات الدوام فلا يبقى منه شيء لأهله. كما أن حجم المشاكل التي يخبره بها مرضاه تجعله يرفع من سقف تعريفه للمشاكل فتبدو أمامه ضغوطات الحياة اليومية كأنها أشياء صغيرة يجب أن نتعامل معها بشكل تلقائي دون طلب المساعدة من أحد. لذلك نجد أن بعض الوظائف ترتبط بالعديد من المشاكل الأسرية. نرى ذلك مجسدا في بعض الروايات والأفلام السينمائية. فمحقق الشرطة الذكي الذي ينجح في حل أكثر الجرائم تعقيدا نجده يعود إلى بيت فارغا لأن زوجته هجرته بسبب الوقت الكثير الذي يقضيه في العمل. والشيء ذاته نجده عند بعض الأطباء حيث الساعات الطويلة في العمل قد يتبعها استدعاء في منتصف الليل للتعامل مع الحالات الطارئة.
وتشير الدراسات البحثية إلى أن الأطباء أكثر عرضة للإصابة بمرض الاكتئاب بسبب ما يشهدون من معاناة البشر بشكل يومي، وبسبب ساعات العمل الطويله والمرهقة التي عادة ما تكون خارج ساعات العمل الرسمي، وقد تمتد لتشمل منتصف الليل أو أيام الأعياد والعطل والإجازات الرسمية. ذكر لي أحد الأطباء العاملين في مركز صحي أنه وزملاءه يعاينون ما بين ثلاثين إلى أربعين مريضًًا يوميًا، وقد تتراوح مدة معاينة المريض من ٧ إلى ١٠ دقائق من المفترض أن يقوم خلالها بإجراء فحص دقيق وطلب فحوصات ووصف العلاج، وإدخال المعلومات إلى الحاسوب. وهذا إلى جانب الاتصالات الهاتفية، وحالات الطوارئ المحتملة.
قرأت أخيرًا دراسة من المملكة العربية السعودية شملت 582استشاريا من الذكور والإناث يعملون في مختلف أرجاء المملكة أظهرت أن حوالي 44% من المشاركين يعانون من ضغوطات نفسية كبيرة حسب المقاييس البحثية التى استخدمت في الدراسة، وأن أغلب هؤلاء من الإناث اللاتي تبلغ أعمارهن أقل من الخمسين عاما.
الجدير بالذكر أن إجهاد الأطباء موضوع مهم يتم رصد البحوث العلمية لقياسه ومعرفة العوامل المرتبطة به للوصول إلى وسائل عملية لتفادي أضراره. وعالميا فقد أظهرت إحدى الدراسات من كندا أن نحو 50% من أطباء صحة الأسرة وطب المجتمع يعانون من الضغط النفسي، مقارنة بـ 47% من الأطباء في بريطانيا و55% من الأطباء الهولنديين.
ولا يقتصر الضغط النفسي على الأطباء بل يشمل العديد من العاملين في مجال الرعاية الصحية، وكذلك الأطباء المتدربين وطلاب كلية الطب حيث تجتمع عليهم ظغوطات الدراسة والامتحانات مع التعامل مع المرضى خلال سنوات التدريب حيث يتعاملون مع المرض والموت دون تدريب مباشر في كيفية التعامل مع هذه المشاعر خاصة عندما يعجز الفريق المعالج إنقاذ مريض فيفجع أهله أمام الطبيب، وأحيانا قد يُتهم بالتقصير في مساعدة المريض، فبعض المواقف قد تسبب الاستنزاف النفسي للطبيب، لذا قد يتعرض بعض الأطباء المتدربين وطلاب الطب إلى الإحباط مما يؤثر سلبا على تحصيلهم الدراسي والمهني.
في بعض الحالات يؤدي الإجهاد المزمن إلى الإصابة بمرض الاكتئاب الذي يؤثر على نحو 12 في المائة من الأطباء و18 في المائة من الطبيبات. كما، يصيب بين 15 إلى 30 في المائة من طلاب الطب حسب تقدير الدراسات البحثية. وفي الكثير من الأحيان يؤدي الاكتئاب إلى الإدمان على الخمور والمخدرات وأحيانا يصل الأمر إلى الانتحار. فالولايات المتحدة الأميريكية تفقد نحو 400 طبيب سنويًا بسبب الانتحار، الذي يعدّ أحد الأسباب الأكثر شيوعًا للوفاة بين الأطباء.
ولا يقتصر تأثير الإجهاد النفسي على الطبيب بل قد يؤثر مباشرة على جودة الرعاية الصحية للمريض وعلى احتمال حدوث الأخطاء الطبية بسب عدم التركيز أو فقدان القدرة على مساعدة المرضى والتعاطف معهم، فكما يقول المثل العربي «فاقد الشيء لايعطيه». لذا نجد أن العديد من الجامعات والمراكز الطبية العالمية بدأت تهتم بموضوع الصحة النفسية للعاملين في المجال الصحي وعلى رأسهم الأطباء وطاقم التمريض.
إذا، هل يمكن تفادي الضغط النفسي؟
يشير المعالج النفسي دك درامون في موقعه الإلكتروني «الطبيب السعيد « إلى بعض الاقتراحات التى يمكن أن تساعد في تفادي الضغط النفسي والإجهاد:
١. تعلم أن تهتم بنفسك أولا قبل أن تهتم بالآخرين. تذكر الإعلان الذي يذكر عند صعود الطائرة «عند تدني مستوى الأوكسجين في الطائرة «قم بوضع كمامات التنفس على نفسك أولا قبل أن تساعد الآخرين». عبارة نسمعها كثيرا ونادرا ما نتوقف للتأمل في معناها.
٢. احرص على تنظيم الوقت وتخصيص جزء منه لممارسة الرياضة والهوايات الأخرى. الكثير من الأطباء قد يجد صعوبة في فعل هذا، فمنذ أيام الدراسة يتعلم الطالب بأن أساتذته يفضلون الطالب الذي يأتي مبكرا ويغادر المستشفى بعد انتهاء الدوام بساعات فيستحوذ العمل على كل وقته فيعتاد على ذلك طوال وقته.
٣. خصص وقتا للزيارات الأسرية والتواصل مع الأصدقاء، ومن الجميل أن يكون بعض الأصدقاء من خارج المجال الطبي لتجد تنويعا في الحوار وتخرج نفسك من قصص الأمراض والمرضى. من الملاحظ أن الاطباء وبحكم ساعات العمل الطويلة ينتهي بهم الأمر إلى أن تكون صداقاتهم مقتصرة على المجال الطبي فيكون جل حواراتهم في مجال العمل حتى إن البعض يتفادى الاختلاط بغير زملاء المهنة لأن حواراتهم قد لا تثير اهتمامه، كما أن الآخرين قد يحولون الجلسة إلى استشارة يطلبون فيها النصائح وربما العلاج المجاني لمشاكلهم الصحية.
٤. استثمر في أصدقائك وتعود على أن يقدم كل منكم الدعم النفسي للآخر. أحيانا تمر على الطبيب مواقف تجعله يفقد الثقة في نفسه أو في مهاراته أو قد يتعرض للمضايقات من الزملاء أو بعض المرضى. وهنا يأتي دور الأصدقاء المخلصين في تقدم الدعم والمشورة دون توجيه أصابع الاتهام.
٥. لا تخلط بين وقت الأسرة ووقت العمل، وحاول أن تترك هاتفك في وضع صامت عندما لا تكون مناوبا. دع الآخرين يقومون بالعمل، فوقت الراحة مخصص لك ولأسرتك.
تذكر أن ما وصلت إليه من منصب هو قبل كل شيء توفيق من الله تعالى وبركة دعاء الوالدين مع الكثير من الجد والاجتهاد من قبلك. استمتع بنجاحاتك مهما كانت صغيرة وتعود بأن تكافئ نفسك بين الحين والآخر.
ادام الله علينا جميعا من واسع فضله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق