مقالات

الشعب العربيّ بين مطرقة «المرياع» وسندان «شوبش»

زاهر المحروقي 

يَعرِفُ رعاة الغنم المرياعَ تمام المعرفة؛ فهم يستخدمونه في توجيه الأغنام. والمرياعُ كلمةٌ تعني قائد قطيع الغنم؛ وهو خروفٌ يصفونه بأنّه كثيرُ الصوف، جميلُ الصوت، يتم إخصاؤه كي لا ينشغل عن وظيفته الأساسية التي هي قيادة القطيع. أما عن جمال صوته، فذلك لأنّ أفراد القطيع غالبًا ما يتبعونه مطأطئي الرؤوس، مستمتعين بصوته الجميل، دون الحاجة لمشاهدته أو مشاهدة ما يجري حولهم. ويتميّز المرياع غالبًا بالذكاء وقابليتِه للتعلم، ويتّسم بانصياعه لسلطة الحمار أو الراعي؛ الأمرُ الذي يمكنِّه من قيادة قطيعه بسهولةٍ ويُسر إلى أماكن ورود الماء والكلأ. يقوم الراعي بقص مقدمة قرون المرياع، تجنبًا لنموِّها، فيحول ذلك بينه وبين الدخول في معارك ضد خراف أخرى، قد تصرفْه عن مهمته الأساسية، كما قد يتسبب هذا العراك في انشقاق بعض أفراد القطيع والخروج عن تبعيتهم له. يُدّرَبُ المرياع منذ صغره على اتّباع الراعي والمشي بجواره وخلفه أينما اتجه؛ وذلك باستخدام الضرب والرّكل والإساءة، من أجل الاطمئنان على تأديته لمهمة انقياده للراعي كيف يشاء. كما يعتاد المرياع على عدم الخوف من الكلب الذي يحرس القطيع؛ فهما معًا دائمًا في خدمة سيدهما، راعي القطيع. وعادةً ما يعلَّق جرسٌ أو أكثر في رقبة المرياع يسمى «القرقاع»، يحرِّكه فيُحدِث صوتًا أثناء الحركة والمشي، فيسمعه باقي أفراد القطيع، فيستمرون في تبعيته والمشي خلفه – أينما توجّه – وإن كان ذاهبًا إلى أماكن ذبح أفراد القطيع.
هل تتطابق هذه المعلومات مع الشعوب العربية؛ بحيث تنقاد فقط دون أن يكون لها رأيٌ في أيِّ شيء؟!. وهل فعلا أنّ الشعوب العربية هي مجرد قطيع يقوده المرياع لصالح الراعي، حتى إذا كان القود إلى أماكن الذبح والتهلكة؟!.
يذكر الكاتب حلمي الأسمر في مقال بعنوان «عن المرياع والقرقاع»، نشرته صحيفة الدستور الأردنية، عدد الخميس الخامس عشر من يناير 2015. أنّ أحد أصدقائه «الفيسبوكيين»، بعد أن ذكر معلومات قيمة عن المرياع والقعقاع، قال: «تحضرني قصةٌ هنا، وهي أنّ مرياعًا سار بالقطيع في منطقة وعرة، حتى وصل إلى حافة وادٍ سحيق، فانزلقت قدماه فسقط أسفل الوادي؛ فما كان من باقي القطيع إلا أن لحقه – بحكم الاقتداء – واحدًا تلو الآخر، كون النعاج والخراف اعتادت أن تقاد».! وينقل الأسمر رواية عن أحد زوار المسلخ إذ يقول: «ذهبتُ مع أبي يومًا إلى المسلخ، ورأيتُ موقفًا عجيبًا؛ فقد رأيتُ مجموعة من الشياه، عددُها عشرون شاةً تُساق إلى الذبح، دون أن تلتفت أو تفكر بالهرب؛ ولاحظتُ أنها تتبع غنمًا قد جعله الراعي قائدًا لها، وهذا القائد مربوطٌ بحبل يمسكه الراعي، فلما وصلت الشياه إلى مكان ذبحِها بدأت الدماء تنتشر من تلك الشياه، وذُبحت كلها باستثناء القائد. وبعد ذبحِها أخذ الراعي، هذا القائدَ ورجع إلى زريبته سالمًا معافى. في نهاية المقال يطرح حلمي الأسمر سؤالًا ينسبه إلى صديقه وهو: «ألا تتفقون معي أنّ بين البشر من هُم على شاكلة الغنم، لا يحلو لهم السير إلا خلف مرياع ودون أدنى تفكير؟!».
كان لي زميلٌ في العمل في إذاعة سلطنة عُمان، هو الراحل مبارك بن عبد الله السناني، كثيرًا ما كان يردِّد على مسامعِنا أنّ الحكّام العرب ليسوا إلا وكلاء للحكومات الغربية؛ لذا فعليهم أن يحافظوا على مصالح تلك الدول، وأنّ هذه هي مهمتهم الوحيدة. وكنتُ أختلف معه كثيرًا في تلك الفترة في نظرته هذه، وأحسبُها نظرةً تشاؤميةً لا تقوم على أساس. ولكن بعد سنوات من ترك مبارك العمل ومغادرته هذه الدنيا، بدأت أستعيد ذلك الرأي، وأرى أنه لا يخلو من الصواب؛ خاصةً بعد أن رأينا كيف يتعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الأمراء والرؤساء العرب، والإهاناتِ التي يقدِّمها لهم علنًا أمام الملأ، وهم يبتسمون ويحاولون أن يظهروا بمظهر لائق أمام شعوبهم؛ ممّا يؤكد أنّ هؤلاء الحكّام وحكوماتهم، لا يقومون إلا بأدوار وظيفية فقط. إلا أنّ الكاتب العماني علي بن مسعود المعشني، يرى في مقال بعنوان «سيلازمنا الشتات والتخلف» نشرته جريدة الرؤية العمانية في موقعها الإلكتروني يوم الاثنين الثامن والعشرين من مايو 2018، أنه ((لا يمكن لعاقل عربي واحد اليوم، وبعد كلِّ هذه العقود والحقب من تجربة دولة الاستقلال العربي ومراحلها وأطوارها، أن يُقنع أحدًا، بأنّ كلَّ من حكموا في الوطن العربي كانوا خونة وعملاء أو غير وطنيين أو أسوياء؛ ولكن يمكننا القول بأنّهم اجتهدوا فأخطأوا، واجتهدوا فأصابوا بالنسبة والتناسب؛ فحين نستعرض أيّ تجربة حكم في الوطن العربي بعقلانية وبصيرة وحيادية وتجرد، سنجد الواقع يحدّثنا بذلك، وسنعلم بأنّ هناك فجوة كبيرة وعراقيل ومعوِّقات موضوعية وحقيقية – داخلية وخارجية – تواجه كلّ مشروع حكم عربي ينشد التطور الحقيقي لبلده، أو يحمل مشروعًا نهضويًا لأمته، ولنا في مصر الناصرية والعراق وسوريا وجزائر أبو مدين وليبيا القذافي نماذج قُطرية ومشروعات أمة، تمّ الاجهاز عليها من قبل الأشقاء قبل الأعداء وعلى قاعدة «اقتلوا الشرف.. كي يبقى العار ويستمر»)). إلا أنّ علي المعشني يذهب بعيدًا في وصف بعض الكيانات العربية بأنها كيانات وظيفية، عندما يقول: «لا ينكر عاقلٌ واحدٌ وجودَ كيانات عربية وظيفية، أقامها المستعمِر لخدمة مشروعاته وأهدافه وعلى رأسها منع قيام أيّ وحدة عربية، أو تضامن عربي، أو مشروع عربي، أو حتى تكامل عربي، على مبدأ المصالح العارية المجردة من أيِّ ثوابت؛ وهي نُظمٌ أصبحت معلومة ومكشوفة اليوم وجلية كقُرص الشمس، بعد عقود من التستر والتورية والتضليل؛ كما لا يمكن إنكار أثر مخطط سايكس/ بيكو على الوطن العربي، والذي لم يمزِّق الوطن العربي إلى كيانات مجهرية صغيرة فحسب؛ بل أثقل عليها بنموذج الدولة القُطرية، وهي ثقافة غربية مستوردة ودخيلة على الأمة التي عاشت ثقافة الخلافة والإمبراطوريات والدول الكبرى عبر تاريخها الطويل؛ فوجودُ الدولة القُطرية سهل على الغرب التفرد بالأقطار العربية وزرع الشتات والهويات الفرعية السالخة عن الثوابت والهويات الكبرى الجامعة للأمة، وتُحقِّقُ له الدولة الوظيفية ترهيبًا وترغيبًا سبيلًا للبقاء وخوفًا من الاندثار».
وتاريخُنا الحديث زاخرٌ بنماذج حيّة تشرح ما قصده المعشني بوصف بعض الكيانات بأنها تؤدي وظيفتها المكلفة بها؛ مثل التآمر على العراق وتدميره، وتدمير سوريا، وإشغال الجيش المصري بالداخل، والتدخل في الشؤون الليبية، والحربِ على اليمن، والتآمر ضد القضية الفلسطينية والعمل على تصفيتها بإنهاء حقّ العودة، تحت مسمى «صفقة القرن»؛ وما يتبع ذلك من إقامة حلف عربي – صهيوني. ولكن؛ كيف وصل الأمر بالنّاس أن يكونوا منقادين للمراييع دون إرادة ودون تفكير؟. للإجابة عن هذا السؤال نقول إنّ هناك أسبابًا كثيرة أوصلت النّاس إلى أن ينقادوا كالقطيع، وربما أهمها الديكتاتورية والقمع، وإشغال الناس بلقمة العيش اليومية، وغيرها من الأسباب. من هذه الأسباب التي أراها مهمّة ما أورده الكاتب أحمد صبحي منصور، وهو وجود «آل شوبش» في الأمة؛ وهم- حسب وصفه- الذين يحرقون البخور للحاكم، يُزيِّنون له الظلم، ويسوغون له الإجرام بأحاديث مزورة، ينسبونها للنبي عليه الصلاة والسلام كذبًا وبهتانًا. ويقول: «منهم أولئك الأربعون شيخًا الذين جيء بهم للخليفة يزيد بن عبد الملك، ليشهدوا له أنه ما على الخليفة من حساب ولا عذاب، وكان يزيد قد عزم على أن يسير على طريقة سلفه عمر بن عبد العزيز، ولكن بعد تلك الشهادة الآثمة قضى خلافته في مجون بين جاريتيه حبابة وسلامة.
ولكي نتعرّف على مصطلح شوبش وآل شوبش، نقترب أكثر من مقال أحمد صبحي منصور، بعنوان «شوبش»، نشر في «الحوار المتمدن» في الثاني من مايو 2012؛ إذ يقول: «قبل عصر التليفزيون والراديو كانت قريتنا تعيش أفراحها بالمزِّيكة. تأتي فرقة أبو صالح، أو أبو خليل من المنصورة في حفل الزفاف الذي يكون يوم عيد، ويبدأ موكب الزفة في الشوارع بالفرقة الموسيقية ووسطها الراقصة، ويتقدَّمُهم أفندي محترم يرتدي بدلة كاملة وكرافتة وطربوشًا، ويمسك بيده عصا، وكلَّ حين يتوقف فيقف الموكب ويهز عصاه وتهتز أردافه وهو يصيح «شوبش»؛ وتبدأ وصلة جديدة من الرقص والموسيقى وجمع النقوط. وحين كنتُ صبيًّا لم أكن أرى من يرتدي بدلة محترمة وكرافتة وطربوشًا سوى ناظر المدرسة الابتدائية وذلك الأفندي المحترم، الذي يقول شوبش يوم المزيكة، وعقلي كان يقارن بين الشخصين، ناظرِ المدرسة ببدلته الأنيقة وشخصيته الوقورة، وذلك القائد للمزيكة أبو شوبش.. كلاهما في أحسن زي، ولكن لكلٍّ منهما طريقته في الحياة ومهنته التي يرتزق منها؛ وانتقلتُ إلى المدينة حيث التعليم الثانوي، وشاهدتُ حفل عرس في مسرح بالشارع. وتعجبتُ لوجود نساء أنيقات يبدو عليهن الاحترام والشياكة، يجلسن على كراسٍ مميزة على المسرح، وظننتُهن من المدعوات الهامات، وفوجئت بهن حين بدأت الموسيقى يقمن للرقص.. أي كنّ راقصات الفرقة. وانخدعتُ بمظهرهن الراقي تمامًا، مثلما فوجئتُ بأنّ الأفندي المحترم الذى رأيتُه لأول مرة كان «بتاع شوبش». وتعلّم عقلي الشقي ألا ينخدع بالمظاهر حتى لا تصيبه مفاجآت أخرى».
ويواصل صبحي منصور حكايته إذ يقول: «وتخصصتُ فى التاريخ، وعرفتُ أنّ «بتوع شوبش» أكثر من الهم على القلب. ليسوا فقط أولئك الراقصين والراقصات وجامعي النقود. بل هناك أسماء لامعة من المؤلفين، تهتز لهم القلوب وتقشعِرّ لهم الأبدان، وكنتُ أنطق أسماءهم بكلِّ احترام، فلما تفرغتُ لدراسة مؤلفاتهم التراثية، وجدتُ وجهَهم الحقيقي، وأنهم لا يختلفون في كثير أو قليل عن آل شوبش؛ فهم الذين يحرقون البخور للحاكم، يزيِّنون له الظلم ويسوغون له الإجرام بأحاديث مزورة، ينسبونها للنبي عليه الصلاة والسلام كذبًا وبهتانًا. وبدأت مسيرة آل شوبش في تاريخ المسلمين في خدمة الحاكم ينافقونه ويؤلهونه، ونكتفي بالإشارة لبعض جهودهم في الإفساد والرقص بين يدي الحكّام، منهم من خصّص كتبًا يؤكد فيها أنّ ظلم الحاكم عقوبةٌ من الله، ويحرم الاعتراض على ظلم الحاكم لأنه اعتراضٌ على إرادة الله، ويهاجم المظلوم إذا جأر بالشكوى؛ ومنهم من بث ثقافة الخنوع والخضوع للحاكم بين سطور مؤلفاته، ورفعه إلى مستوى العصمة والتأليه؛ ومنهم من وجد لديه الجرأة الكافية لكى يؤلف كتبًا مستقلة في مناقب الحاكم ـ كلّ حاكم ـ؛ والمشكلة أنّ أغلبنا يدّعي الثقافة والعلم بالتراث دون أن يقرأ، وإذا قرأ فقلّما يفهم ويعقل، وإذا فهم وعقل أصابه الخرس وكتم الحق. والعجيب أنّ آل شوبش يزدادون التصاقًا بالحاكم الظالم كلما ازداد ظلمًا واستبدادًا، ويعظم التعاون بينهم، وحتى عصر قريب وقف شيخ عالي الشأن يخطب أمام إسماعيل صدقي، فبدأ حديثه بقوله تعالى «واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد».
ورأيُ الكاتب الأخير هو أنه إذا ظَلّ أهل آل شوبش يتحكّمون في حياتنا سنظلّ أسرى التخلف والهوان. وهو رأيٌ بالتأكيد سديد، لأنّ خطر المنافقين على الحكّام هو خطر كبير، بل هو الخطر الحقيقي؛ إلا أنّ الأمانة تقتضي أن نقول ليس كلّ المشايخ والكتّاب والشعراء والإعلاميين ضمن قائمة آل شوبش، فعبر التاريخ كان هناك أناس ناصحون ومصلحون، رغم ما نالهم من الإقصاء والإبعاد والتهميش.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق