مقالات

كيف نحيـي الحرفة والصناعة بـعد أفـولها قرونـا مـن الزمـن؟

فوزي بن يونس بن حديد

لقد سخر الله عز وجل الكون للإنسان ليبحر فيه ويتخذ لنفسه طريقا يعيش منه ويقتات، وقد منّ الله عز وجل على الإنسان وأكرمه وفضّله على جميع خلقه بأن جعل كل المخلوقات ما عداه متاحة لتصرف الإنسان كيفما شاء وفق ضوابط إلهية وقوانين ربّانية، فما في الطبيعة والكون يمكن أن يستفيد منه وعلى أوجهه كافة، ومن زواياه جميعها، وبالطريقة التي يكتشف بها سرّ الخلق، إذ يقول سبحانه وتعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) وقوله عز وجل: (الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار).
من خلال الآيات السابقة، نستشف أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق ما يريد مثل ما هو فعّال لما يريد، خلق الخامات الأولية التي يحتاجها الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وترك له الباقي ليكتشفه العقل ويخترعه وينتجه ويصنّعه، ينتقل بالإنسان من مرحلة إلى أخرى، من مرحلة التعلم والتلقين والتدريب إلى مرحلة من الابتكار والإبداع والإتقان، هذه حقيقة مسلّمة يؤمن بها كل فرد لديه أساسيات الإيمان وتشبّعٌ بفيوضات الرحمن.
ومن المعلوم جدا أن الإسلام سعى ويسعى دائما منذ أن رسّخ قوائمه على هذه الأرض إلى جعل الإنسان الذي يحمل عقيدة الإيمان أكثر حرصا من أي كائن آخر على تقديم الخدمة بإتقان مهما كانت تلك الخدمة سواء كانت يدوية أو فكرية أو صنعة حرفية، لأنها تصب في مصلحة الناس وخدمتهم، ولكل واحد منا موهبته وميوله ورغباته، فيمكن أن ينجح في مجال ويفشل في آخر، ومن كانت لديه مواهب عليه أن يبرزها حتى لو كان يعمل ويقتات في مجال آخر، بمعنى يمكن أن يكون المعلم نحّالا أو بنّاءً أو نجّارا ويمكن أن يكون الطبيب فنّانا تشكيليا ورسّاما باهرا، ويمكن أن تكون هذه الصنعة أو الحرفة أساس حياته فيتقنها ويبدع فيها ويقدم نماذج رائعة للعالم ليستفيد من قدراته الخارقة التي أودعها الله سبحانه وتعالى فيه.
غير أن هذا لا يمكن أن يأتي من باب الصدفة أو بمجرد التمني بل يحتاج الأمر إلى تخطيط كبير، وتنفيذ أمين، وتدريب شاقّ، وصبر على المهنة، وثقة بالنفس، وأمانة وإخلاص في العمل، ولا يعتبر الصنعة أو الحرفة عملا دونيّا وبسيطا لا ينبغي أن ينزل منزلته، كل هذه الأفكار التي تعشّش في عقول بعض الشباب الذين يحتقرون مثل هذه الأعمال، أفكار لا يعارضها الدين الحنيف بشدة فحسب بل يحاربها ويدعو إلى العمل في أي مجال يرغب فيه، فالرغبة هي التي تولّد الإبداع، والإتقان هو الذي يجعل الصنعة أو الحرفة متميّزة ويقبل عليها الآخرون، والإخلاص هو الذي يجعل العمل مربحا ويدرّ دخلا لا بأس به، تلك هي مقومات نجاح العمل في أي وقت وفي أي زمان، والأدلة التي تحث المسلمين على ذلك كثيرة ومتنوعة بل يعرفها كل واحد منا ولكن القليل من يعمل بما جاء فيها من توجيهات ونصائح وإرشادات.
فمن الأحاديث النبوية الشريفة قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه»، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وابتغى وجهه» وقوله صلى الله عليه وسلم: « إن الإبقاء على العمل أشد من العمل، وإن الرجل ليعمل العمل فيكتب له صالح معمول به في السر يضعف أجره سبعين ضعفا فلا يزال به الشيطان حتى يذكره للناس ويعلنه فيكتب علانية فيمحى بضعف أجره كله ثم لا يزال به الشيطان حتى يذكره للناس ثانية ويجب أن يذكر به ويحمد عليه فيمحى من العلانية ويكتب رياء، فاتقى الله امرؤ صان دينه وإن الرياء شرك»، فهذه الأحاديث كلها تبين فضائل العمل التي تتوافر فيه شروط الرغبة والإتقان والإخلاص وهذا بدوره يؤدي بإذن الله تعالى إلى الإبداع والابتكار والاكتشاف على أن الوازع الديني مطلوب في كل مراحل العمل لأنه هو الذي يمنعه من الوقوع في الكذب والغش والاحتيال على الناس.
وعندما نتأمل حركة الغرب كقوة اقتصادية ضاربة في كل الصناعات والحرفيات ويمسك بتلابيب التجارة العالمية، ندرك كيف نسي المسلمون تاريخهم العربي والإسلامي الذي كان مليئا بالإبداعات والاختراعات والاكتشافات وبعد أن تكاسل المسلمون ذات يوم وركنوا إلى الكسل والدعة والخمول استقى الغرب هذه الأفكار أيام التخلف العربي والانشغال بالفتن الداخلية التي تورطوا فيها وكانوا سببا في إشعالها، فنهب ما يمكن نهبه من الثروات الفكرية الهائلة، وما كان الغرب ليصل إلى هذه المرحلة من العلم والتكنولوجيا لولا المخطوطات الإسلامية التي حصل عليها وهي مخطوطات أبدع فيها علماؤنا في كل الفنون والعلوم، تركها أبناء الإسلام ووقعت في أيدي الآخرين الذين ترجموها وصيّروها واقعا فاخترعوا واكتشفوا وأبدعوا.
بينما العرب اليوم لم تعد لهم تلك المكانة التي وصلوا إليها سابقا، بل صاروا من أكثر الشعوب استهلاكا وتواكلا وكسلا، وصارت العقول العربية المبتكرة تهاجر إلى الغرب لعدة أسباب أولها المضايقات الداخلية التي يتعرض لها العلماء في كل المجالات، وثانيا عدم وجود الإمكانات اللازمة للبحث والابتكار، وثالثا البحث عن أجر مريح يضمن له عيشا آمنا هو وأسرته، وبالتالي لا يستطيع أن يخدم وطنه الذي لم يف حقه فيضطر إلى الهجرة إلى بلدان أكثر تقدما وتطورا.
ولا أحد أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم الذي عمل راعيا للغنم وتاجرا قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، اعتمد على نفسه في كسب قوته، ونجح في تكوين شخصيته وبيّن للآخرين أن لا شيء مستحيل، بل كل شيء يمكن تحقيقه إذا توافرت العوامل المسببة لوجوده، وعندما نسال أنفسنا لماذا الغرب تقدم والعرب يتأخرون، نرى أن التربية في الأساس لها دور كبير في تكوين الشخص، وأقصد بالتربية، التربية الشاملة التي تعتمد في الأساس على تعويد النشء على الاعتماد على النفس وغرس المراقبة في نفوسهم، وإحياء روح العمل والابتكار في عقولهم، وتوفير الدعم اللازم والمناخ المناسب للعمل في بيئة قابلة لإحداث نقلة نوعية في الحياة الاقتصادية، وليعلم المسلم أن الله تعالى خلق هذه الدنيا للجميع، وليس للمسلم فقط، فقد يتفوق الكافر أو المشرك أو اليهودي أو النصراني على المسلم إذا التزم بمعايير الضبط الأخلاقي في العمل وحرص على تطبيق اللوائح والإرشادات وانضبط في العمل من أساسياته ودقائقه وتفاصيله، بينما يخسر المسلم كل ذلك إذا تهاون عن أداء واجبه فلا يظننّ أن الرحمة تنزل عليه من السماء سواء عمل أم لم يعمل وسواء جاهد في سبيل ذلك أم لم يجاهد، وعلى المسلم أن يفقه أن الله خلق الإنسان في هذه الدنيا ليعبده، وعبادته لا تقتصر على مجموعة من الحركات يقوم بها كل يوم دون إدراك حقيقتها، ولا تقتصر على قيام المسلم بأداء مناسك الحج والعمرة بل العبادة منظومة عقدية وفكرية ومعاملاتية وأخلاقية، إذ الدين المعاملة كما قال صلى الله عليه وسلم وبيّن.
فالثقافة تبني حضارة في أي بلد، والثقافة تُكتسب ولا تُمنح، وبالتالي تحتاج إلى جهد كبير وعمل عظيم، برغبة وإتقان وإخلاص، وإيمان بالله وثقة بالله العظيم، فإذا توافرت هذه الشروط في المسلمين كانوا عظماء على مدى التاريخ، أما إذا لم يهتموا بهذه العناصر الرئيسية لتكوين جيل يعتمد على نفسه ويقرأ الأحداث جيدا فإن العالم العربي سيظل على المدى الطويل متخلفا مستهلكا لا ينتج شيئا، إضافة إلى أن الغرب يعلم يقينا أن المسلمين إذا وصلوا مرحلة متقدمة فإنهم سيسودون العالم بقوة إيمانهم وعزيمتهم التي لا تلين، على أنه لا ننكر وجود عقول شابة قادرة على الإبداع والإنتاج في كل الدول العربية والإسلامية، لكنها العقول التي تحتاج إلى العناية والرعاية والتأهيل والتدريب في كل مجالات الحياة العامة والخاصة حتى تعيش المجتمعات العربية والإسلامية في خير وسلامة وأمن وأمان، العقول التي تحتاج إلى دولة تفهمها وتفهم رغباتها وميولاتها العلمية المتواصلة على مدى طويل، فهل نحيي الحرفة والصناعة العربية بعد أفول دام قرونا من الزمان؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق