متابعات

“ألوان الطيف”.. الفرجة المسرحية المكتملة

 

كتب: محمد بن سيف الرحبي

لا يعد حصول فرقة الفن الحديث على جائزة أفضل عرض متكامل في أيام بيت الزبير للمسرح الدائري ضربة حظ أو مجاملة من لجنة تحكيم.. أو لنقل أنها ضمن تقسيم الكعكة في مهرجانات فنية عدة حيث لا يخرج أحد بدون جائزة من (المولد /المحفل)..

“ألوان الطيف” استحقت أن تكون الأولى، وبمراحل عن بقية الاجتهادات الشبابية التي قدمتها الفرق الأربعة المشاركة، فكل التجارب استحقت التصفيق، لكن “ألوان الطيف” كانت حالة خاصة كونها قدمت فرجة مسرحية حقيقية، ارتقى فيها النص (للمصري محمود كحيله) وفق رؤية إخراجية للمبدع ماجد العوفي، مع مجموعة من الشباب الموهوبين، وأولهم بطل العرض أمجد الكلباني، والذي استحق جائزة أفضل ممثل، يضاف إلى ذلك المضمون/ الرسالة التي وصلت للجمهور ضمن فرجة فنية، تناغمت فيها أركان العرض لتصنع مشهديتها الفنية.

أقول أن “ألوان الطيف” استحقت أن تكون الأولى لأسباب تفوقت فيها على (شقيقاتها) من العروض الأخرى، هي:

أولا: خلقت حالة من الحيوية على الخشبة، دون جمود أو ملل، فالحركة المتقنة على المسرح الدائري جعلت من الأركان الأربعة للعرض حاضرة بقوة، وهذا يتطلب قدرة كبيرة على المتابعة، إذ ليس من السهل أن تعرض لجمهور يشاهدك من أربع جهات، بينما في مسرح العلبة أنت أمام جهة واحدة فقط تتوجه إليها.

فالجمهور عامل أساسي في العرض المسرحي، لأنه متلقي الرسالة، وبديهي أن يجد تلك الخيوط التي تربطه بالعرض، يرى فيها قضاياه وقناعاته (حتى إن كان ضدها) فيخرج بالأسئلة التي كونتها الحالة الفنية التي شاهدها، محققة شروط عدة، أهمها أن الفرجة تحققت بصريا، بالأزياء كبطلة للسينوغرافيا، بتعددها، ودلالاتها، فهي ليست خارج الرؤية أو الفكرة العامة التي يريد المخرج قولها من خلال العرض، تباين الألوان دال على تباين الشخصيات، فألوان الطيف هذه لها مدلولها النفسي أكثر من البصري أيضا، فهي لوحة الحياة بتناقضها الصارخ، وأيضا بتناغمها لتوجد حالة فرائحية لدى المتفرج،  مع عرض كاريكاتيري الروح، يمزج الجدية بالهزل، قبعة على رأس دالة على مكانة صاحبها في سلم السلطة.

وثانيا: حملت رسائل قوية، على مستويات عدة، بمنأى عن أية سطحية أو مباشرة، فالقبعات التي تبادلها الممثلون ليضعوها على رأسهم شكلت بعدا لإسقاطات حادة، سياسية واجتماعية، في تناوب بين أركان السلطة (الحكم، والقضاء، والعسكر) عبّرت عنه القبعات وهي تتبادلها الرؤوس الحاملة لها، مقابل المواطن المقتول على خشبة العرض، والذي جاء ليقدم تظلمه للحاكم، الحاكم الذي يرى أن العدل أساس الحكم يجد في البطانة من يسوّغ قتل مواطن، ويبحث عن العدالة في وجوه من حوله، فيما تذهب ألسنتهم إلى تبرير فعل القتل بأنه جاء لحماية الحاكم، ولكن حمايته من من؟! من مواطن لديه مظلمة يريد عرضها!.

يمكن القول أن هذه المسرحية كانت مسرحيتين، بمعنى أنها عرض داخل آخر، حيث يعترض القتيل (الذي دوره أن يبقى على الخشبة مطروحا) على الدور الذي أعطاه إياه المخرج، فهو، وكما يعبر عن نفسه، أنه “مجنون مسرح”، ولا يمكن أن يقبل بهذا الدور، دور المواطن/ الضحية، فتنتهي الفوضى التي يحدثها بالصلح على أن يختار دورا آخر، وكانت الصدمة أنه يريد دور الحاكم، فيتم إقناعه بدور أقل، لكن في ختام المسرحية يمسك بجميع القبعات/ الصلاحيات بين يديه، فيما يغادر الممثلون الخشبة، ويبقى وحده (السيد) على فراغ حوله، في لحظة مدهشة معبرة عن واقع عربي.

تبدأ المسرحية من جديد بعد اعتراض الممثل/ المواطن، وتاليا باقتناعه بتجربة دور آخر، ليجرب هذا المواطن فعلا مختلفا على منصة مغايرة، يؤدي دورا قد يكون أقوى (سلطويا) لكنه يضيع في المجموعة التي لا تريد محاسبة القاتل، ولا التصريح بأن العقوبة يجب أن تنفذ، بل يشترك المواطن في ذات اللعبة التي كان ضحية لها.

وثالثا: قدرة الممثلين على أداء الأدوار بمهنية تؤكد أن طاقات الشباب العماني قادرة على استيلاد المزيد من المواهب الفنية الفاعلة في حركة العطاء، على تعددها، مجموعة متجانسة صنعت الفرجة بسلاسة تامة، وكأنما هي في مسارات محددة على خشبة العرض على صغر مساحتها، والزحام الذي يمكن أن يسببه وجود ستة ممثلين مرة واحدة، مع حركة إيقاعية متوالية لا تهدأ، لكن تناغم المجموعة جعل من الحركة إضافة فنية للعرض، خلقت متعتها وحيويتها لدى المشاهد وهو يتابع لوحات متتابعة.

كان أمام المخرج نهايتان، الأولى مع غضبة القاتل الذي أصيب بحالة هستيرية وهو يطعن الجميع في طريقه حيث يشرح للحاكم ماذا يمكن أن يحل بهم لولا أنه تمكن من قتل المواطن قبل أن يدخل القصر، والمشهد يكتمل بتسديده طعنة للحاكم نفسه، لكن النهاية كانت أجمل مع جمع الممثل/ المواطن/  الحاكم القبعات في يده متسيدا على الخشبة/ المشهد، متفردا بجميع الصلاحيات، حيث هو الحاكم الفرد الأوحد.

لكن يبقى النص (المحلي) غائبا، ليس في هذا العرض، بل في عروض المهرجان (عدا نص عماني واحد فقط)، وهذا ما يجب أن يدفع لحصر المهرجانات في نصوص محلية، للدفع بها قدما نحو الاجتهاد، والعطاء.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق