العام

حسين بن محمد بن علي: الحياة علّمتني الكثير وأقول للشباب انطلقوا

لم أتوقع أن الساعة التي اتفقت على الالتقاء به فيها تتحول إلى أكثر من ثلاث ساعات متواصلة دون ملل أو تأفف، ولم أكن أعرف أن محصلتي المعرفية ستزداد بعد سردِه للأحداث والقصص واحدةً تلو الأخرى، وفي كلٍ منها عبرٌ وحكم ودروس. هدوؤه يُعطي للحوار رونقًا آخر، وحديثُه يُضفي للمكان لغة السمر التي تريد لها أن تستمر، أما حكاياته فإنها أمرٌ يجعلك تقول «هل من مزيد». يُمثّل جيلًا مخضرمًا عاش ما قبل السبعين وبعدها، ويحمل روحًا تتوقد شبابًا، وتتميز بالمرح الذي يظهر في أحاديثه بين الفينة والأخرى، ورغم أن وظيفته السابقة تتطلب الدبلوماسية إلا أنه تنازل عنها في حواره معنا، ليحكي لنا عن الإنسان، والفنان، وقبلهما «المحب لوطنه وعمانيته».

إنه سعادة حسين بن محمد بن علي سفير السلطنة الأسبق في المملكة المتحدة خلال الفترة من 1985 إلى 1989م، والذي طاف بنا في جولات وصولات منذ البدايات حتى الآن.
سعادتك، لنتحدث عن البدايات كيف كانت؟
وُلدت في مدينة مطرح وترعرعت فيها، حيث سكنت مع عمي شقيق والدي، وبدأنا تعليمنا في الكتاتيب أو المدارس الأهلية بالولاية، وبعدها درست في المدرسة السعيدية بمطرح.
كيف كانت الدراسة في تلك الفترة؟
كانت الدراسة في الكتاتيب تركز على دراسة القرآن الكريم واللغة العربية وكذلك الحساب أو الرياضيات، أما في المدرسة السعيدية فتتم وفق مناهج من الشام، وأغلب المعلمين غير عمانيين، أما الطلبة فهم مزيج، منهم من الساكنين في مطرح، وبعضهم من القادمين إليها من عمان الداخل.
هل أكملت دراستك في السعيدية؟
نعم، وبعدها انتقلت إلى دبي، بسبب الأوضاع التي كانت تعيشها السلطنة قبل مجيء النهضة المباركة والتي يعرفها الجميع، حيث كانت بالفعل أوضاعًا صعبة تُجبر الشخص على الهروب والخروج للبحث عن فرص أفضل. وقد أكملت الثانوية هناك في عام 1964م، واشتغلت في المطار.
كيف سمعت عن مجيء النهضة المباركة؟ ومتى رجعت إلى السلطنة؟
سمعت عن تولي جلالة السلطان مقاليد الحكم في إذاعة البي بي سي، التي تصدر من لندن، وكذلك من المواطنين العمانيين الذين كانوا يعيشون ويشتغلون هناك، حيث لم نكن نعرف بأن لدى السلطان سعيد بن تيمور -رحمه الله- ابنا اسمه قابوس، أما عودتي إلى السلطنة فكانت في بداية السبعينيات، حيث عملت في مطار مسقط كمدير طيران الشرق الأوسط آنذاك.
إذا كيف انتقلت للعمل في وزارة الخارجية؟
في عام 1973م وجدت فرصة وانتقلت من المطار إلى وزارة الخارجية، حيث كانت الفرص في تلك الفترة مواتية وتبحث عن من ينتهزها، وقد نُقِلت خدماتي إلى السفارة العمانية في النمسا وبعدها إلى لندن كسكرتير ثانٍ ثم سكرتير أول ثم مستشار ثم وزير مفوّض . وفي أوائل عام ١٩٨٣م نقلت خدماتي إلى بعثة السلطنة لدى الأمم المتحدة في نيويورك كنائب للمندوب. وعُيّنت في عام ١٩٨٥م سفيرا للسلطنة في بريطانيا.
هل من تأثير لهذه الغربة الطويلة في العمل على أسرتك؟
نعم، فقد قضيت أكثر من 13 عامًا متنقلا في العمل الدبلوماسي بين أكثر من دولة، ولا أعود إلى السلطنة إلا في فترات قليلة، وهو ما جعل بعض أولادي لا يتحدثون اللغة العربية بشكل صحيح، لكننا انتبهنا لهذه النقطة وقمنا بمعالجتها.
ما هي أفضل الفترات التي قضيتها في العمل الدبلوماسي؟
فترة تعييني سفيرًا في المملكة المتحدة كانت من أفضل فترات عملي؛ لأنها وثقت علاقتي مع العائلة المالكة هناك، وكذلك سنحت لي الفرصة للقاء سيدنا جلالة السلطان المعظم أكثر من مرة هناك في لندن عندما كان يأتي لعمل أو لقضاء عطلته السنوية، وأيضا تشرفت بالحصول على الثناء الخاص من جلالته – حفظه الله- نظير عملي وتوثيقي للعلاقة بين البلدين، الأمر الذي ظلت نتائجه متواصلة إلى اليوم، حيث أسسنا لجنة الصداقة العمانية البريطانية وغيرها من الأعمال.
حدثنا عن أول لقاء بك بجلالة السلطان؟
اللقاء بسيدنا -حفظه الله ورعاه- شيء مميز وجميل وهو لا يخلو من الروح المرحة والفكاهية التي يمتلكها مولانا المعظم، وأذكر أنني في أول مرة التقيته فيها بلندن حيث كنت سفيرًا ابتسم في وجهي، ودار بيننا حديث ودي لم أحسس خلاله بأي رهبة أو خوف.
ماذا عن علاقتك بالملكة وعائلتها هناك؟
بكل أمانة كانت للسفير العماني في بريطانيا مكانة خاصة مع جلالتها وكذلك أسرتها المالكة كالأميرة الراحلة ديانا وزوجها الأمير تشارلز، وهو أمر يرجع لسببين: العلاقات الوطيدة والتاريخية للبلدين، وكذلك تعاملي معهم وقيامي بالتواصل الدائم، سواء من خلالي أو من خلال زوجتي، حيث كنا نرسل لهم الهدايا والتهاني بأيام أعيادهم وأعياد زواجهم، وكذلك نشاركهم أفراحهم وأتراحهم.
حدثنا بمواقف بينت المكانة الخاصة للسفير العماني هناك؟
هناك مواقف كثيرة أذكر منها ثلاثة مواقف:
الأول: أن في الاحتفالات التي يحضرها السفراء تقوم الملكة بالسلام عليهم وعندما تمر عليّ أحظى بوقت أكبر للسلام عليها أكثر من البقية ويمتد أحيانا إلى خمس دقائق، وهو ما جعل أحد السفراء العرب يقول مازحا: صحيح أنكم سحرة أيها العمانيون، حتى إنكم سحرتم الملكة لتقف أمامك أكثر منا.
الثاني: في عام 1986م، وتحديدًا في حفلة استقبال بقصر بكنجهام قامت الملكة بتهنئتي شفويًا بولادة ابنتي إيمان، لأرد عليها قائلا : الْيَوْمَ نحتفل بعيد ميلاد ملكتين.
الثالث: في عام 1989م، حينما ذهبت لتوديع الملكة إليزابيث بمناسبة انتهاء عملي كسفير عماني في بريطانيا، فتحول اللقاء من 10 دقائق ( حسب البروتوكول) إلى نصف ساعة، لينتهي المشهد بقيام الملكة بإهدائي صورتين لها ولزوجها موقعتين خصيصًا لي، لأكون بذلك «أول سفير عماني يحصل على هذا التشريف».
ومتى انتهت فترة عملك سفيرًا عمانيًا في بريطانيا؟
في صيف 1989م وعندما كان مولانا المعظم في لندن استدعاني، وقال لي: «الملكة حدثتني عنك، والأمير تشارلز والأميرة ديانا، وكذلك رئيس الوزراء، فأنت لم ترفع اسم بلادك فقط، وإنما اسم سلطانها كذلك»، ثم أخرج قلمًا وقال «نون والقلم وما يسطرون»، وأهداني إياه، وقال إنه يفضل أن أعود إلى مسقط بعد هذه الفترة الطويلة في الغربة والعمل الدبلوماسي، فسعدت بهذا التشريف، ورجعت بعد أن صدر المرسوم السلطاني السامي بتعييني مستشارًا في ديوان البلاط السلطاني بدرجة وكيل.
كيف قضيت فترة العمل في ديوان البلاط السلطاني؟
امتدت فترة عملي في الديوان حوالي 6 سنوات أسسنا خلالها المعهد الدبلوماسي العُماني الذي كان يشرف عليه الديوان آنذاك، ثم طلبت التقاعد المبكر بعد أن أحسست بعدم قدرتي على التوافق مع نظام العمل؛ فقد كانت بيئة العمل مغايرة تماما عن بيئة العمل التي تعودت عليها في الخارج.
ماذا عملت بعد التقاعد؟
بدأت في العمل الحر، فأسست بعض المشاريع، لكنني خسرت في البداية ووصلت لمرحلة لا أستطيع دفع فاتورة كهرباء منزلي 36 ريالا عُمانيا، وعانيت من المرض بسبب التفكير والانطواء على نفسي في المنزل.
كيف تخلصت من ذلك إذًا؟
زارني بعض الأصدقاء وطلبوا مني الخروج والبحث عن حل للمشكلة وعدم الجلوس في المنزل، والصبر، وفعلا قمت بهيكلة ما أملكه، وبعت بعض الأسهم والأملاك، لأبدأ من جديد، والحمد لله تخلصت من تلك المرحلة ورجعت أفضل وأقوى.
حدثنا عن الكتاب الذي أصدرته «الفن في عيون سفير»
استغرق إعداده 3 سنوات، لكن جمع المقتنيات الفنية الموجودة فيه استغرق زهاء أربعين عامًا. وهو ينقسم إلى عدة فصول هي : اللوحات بأنواعها المختلفة ، الواقعية، التجريدية، السريالية، المكعبات ، وجميعها تمثل حقبات مختلفة من أواخر القرن السابع عشر إلى الفن الحديث . والأقلام من حقبة الملكة فيكتوريا إلى حقبتنا هذه. والكتب القديمة من عام 1908. والسبحات بشتى أنواعها من الذهب والمرجان واللؤلؤ بنوعيه الأصلي والصناعي والعقيق اليمني والجمشت والكهرامان القديم والسفير اللازورد، وعين الهر والتوباز. بالإضافة إلى ذلك حوى الكتاب ساعات حائط من حقبة الملكة فيكتوريا وأخرى فرنسية من القرن التاسع عشر، وقطع كرستال لفنانين معروفين عالميا؛ إذ إن أعمالهم مقتنية من قبل المتاحف العالمية في نيويورك والصين وبريطانيا وهولندا والكونجرس الأمريكي. كما احتوى الكتاب أيضا على القرآن الكريم الذي يرجع إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر. والنحت ويرجع إلى القرن التاسع عشر. والصور الفوتوغرافية لأشهر مصوري العالم وأشهر مصوري الأزياء. والحروفيات لأهم الخطاطين العالميين حيث توجد أعمالهم في متاحف مختلفة في بريطانيا، نيويورك، سمتث سونيا في واشنطن، باكستان ، والمتحف الوطني في الصين والمتحف الإسلامي في ماليزيا والمتحف الإسلامي في قطر، ومتحف الآغا خان في بريطانيا.
ما هدفك من الكتاب؟
الكتاب أتى بالتعاون مع الصحفية والكاتبة ساره مكادونالد التي كانت تسكن في السلطنة، وأتمنى من خلاله دعم حركة الفن في السلطنة، وإثراء الحراك الفني فيها، وتشجيع المبدعين من الفنانين الناشئين، وهو يبعث برسالة إلى القطاع الخاص ليلعب دورًا كبيرًا في مؤازرة الفنان الناشئ ومساندته ويسهم في الحركة الفنية بالسلطنة.
بعد هذه الرحلة الحياتية المفعمة بالحكايات والمواقف، ماذا تقول للشباب العماني؟
أقول لهم إنني لا أحمل شهادات عليا، لكنني أحمل شهادة خبرة من الحياة التي تتطلب الصبر، والكفاح، والمبادرة، والاعتماد على الذات، والتيقن بأن الأمر كله خير، وما على الإنسان سوى الانطلاق وتحويل الخسارة إلى ربح، والمحنة إلى منحة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق