العام

استعادة لحوار عمره نحو 14 عاما مع السلطان هيثم

نادرة هي الحوارات التي أجريت مع جلالة السلطان هيثم بن طارق آل سعيد حفظه الله ورعاه، ومن حسن حظّي أنّني واحد من الصحفيين الذين تشرّفوا بمحاورة جلالته عام 2006 بمناسبة اختيار مسقط عاصمة للثقافة العربيّة 2006 م، خلال إقامة مهرجان المسرح العماني الثاني، الذي تزامن مع الاحتفال بيوم المسرح العالمي الذي يوافق 27 مارس، واستمر المهرجان لغاية 5 أبريل، إذ تشرّفت باللقاء بجلالته مع نخبة من ضيوف المهرجان العرب، ومن بينهم ليلة طاهر ومنى واصف، وغانم السليطي، ومحمد المنصور، والمرحوم قاسم مطرود، عندما كان جلالته وزيرا للتراث والثقافة، وطرأت عليّ فكرة محاورة جلالته، وكنت من ضمن الفريق الذي يحرّر النشرة اليوميّة للمهرجان، حول مناسبة اختيار مسقط عاصمة للثقافة العربية، وأبرز القضايا التي تشغل الوسط الثقافي العماني، والمسرح، والمهرجان، وطرحت الفكرة على الأستاذ يوسف بن إبراهيم البلوشي مدير عام المنظمات والعلاقات الثقافية بوزارة التراث والثقافة، وكان مشرفا على النشرة، فرحّب بالفكرة، وتواصل مع مكتب الوزير، وجرى طرح الفكرة على جلالته، فوافق، فكتبت الأسئلة، وسلمناها لمكتب الوزير، وبعد يومين أو ثلاثة، وصلتني الإجابات، وسارعنا إلى نشر الحوار في النشرة، وبعد أيّام تلقّيت اتّصالا من مدير تحرير مجلّة دبي الثقافيّة الصديق الكاتب ناصر عراق، وطلب منّي إجراء حوار مع وزير التراث والثقافة، بمناسبة اختيار مسقط عاصمة للثقافة العربية، فقلت له: الحوار موجود، وقد أجريته، ونشرته في النشرة اليومية المصاحبة لمهرجان المسرح العماني، فقال :عظيم، ولا بأس من نشره في المجلّة، ما دام النشر تمّ بنشرة مصاحبة للمهرجان، قلت له، ولكن لابدّ من استئذان سموّ السيد الوزير، فوافق على ذلك، وخلال انعقاد أعمال مؤتمر وزراء الثقافة العرب بدورته الخامسة عشرة الذي أقيم في الثامن من نوفمبر بفندق قصر البستان بحضور ثمانية عشر وزيرا وعدد من مسؤولي الثقافة العربية وجرى في افتتاح المؤتمر اختيار جلالته رئيسا للدورة الحالية من المؤتمر خلفا لرئيس الدورة الرابعة عشرة معالي خالد الرويشان وزير التراث والثقافة، وخلال وقت الاستراحة كنت أتكلّم مع معالي الرويشان، وكان وما يزال صديقا عزيزا، مرّ جلالته، ووقف للتحدّث مع الرويشان بأمر، وبعد انتهائه غنمت الفرصة، واستأذنت بنشر الحوار في مجلّة «دبي الثقافيّة»، فقال جلالته على الفور» لا مانع لديّ، ولكنّ من المهم بالنسبة لي نشره في صحافتنا المحلّيّة أوّلا، لابدّ لنا من دعم صحفنا، ثمّ الصحف والمجلات الخليجيّة، والعربيّة»، فشكرته، ونقلت الكلام للإعلامي الصديق مجدي الشاذلي، وكان يشغل مهمة مدير تحرير جريدة «الشبيبة» التي كنت أعمل فيها رئيسا للقسم الثقافي والفني، فنشر الحوار على مساحة صفحة كاملة بعناوين بارزة، واكتفيت بذلك، ولم أنشره في مكان آخر.

حاوره : عبدالرزاق الربيعي

الحوار:
أكّد صاحب السمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد الموقر وزير التراث والثقافة أن اختيار مسقط عاصمة للثقافة العربية لعام 2006م كان مصدر اعتزاز واهتمام وترحيب على كافة المستويات والصعد في السلطنة مشيرا الى أن وزارة التراث والثقافة عملت منذ وقت مبكر بالتعاون مع مختلف الجهات المعنية بالشأن الثقافي في السلطنة على وضع الخطط والبرامج الثقافية والفنية المكثفة احتفاء بهذا العام.
وقال سمو السيد هيثم بن طارق في حديث لنشرة «الحدث» التي تصدرها وزارة التراث والثقافة بمناسبة مهرجان المسرح العماني الثاني «إن مهرجان المسرح العماني هو مهرجان لكل المسرحيين العمانيين ولكل الفرق المسرحية العمانية سواء مسارح الشباب أو الفرق المسرحية الأهلية وسواء تلك التي حالفها الحظ بالدخول إلى المسابقة أم لم يحالفها، لذا وجودهم جميعا في المهرجان مهم.
ولأن مسقط تعيش عرسا ثقافيا متكاملا طوال العام الحالي بصفتها عاصمة العرب الثقافية.. ولأن مهرجان المسرح العماني الثاني الذي تتواصل فعالياته في مسقط هذه الأيام هو إحدى أهم الفعاليات التي وضعتها وزارة التراث والثقافة ضمن قائمة فعالياتها الثقافية المتعددة خلال هذا العام الحالي..
• صاحب السمو… تعيش مسقط عرسا ثقافيا باعتبارها عاصمة للثقافة العربية لعام 2006م وهناك فعاليات أقيمت في هذه المناسبة العزيزة على كل مثقف عربي، وبلا شك أن الوزارة الموقرة لها رؤية في مجال تفعيل المناشط الثقافية، حبذا لو تكرمتم بتسليط الضوء على الطموحات الثقافية التي تسعى الوزارة إلى تحقيقها وإبرازها؟
ـ بالتأكيد أن اختيار مسقط عاصمة للثقافة العربية لعام 2006م كان مصدر اعتزاز واهتمام، وترحيب على كافة المستويات، والصعد في السلطنة. وقد عملت وزارة التراث والثقافة بالتعاون مع مختلف الجهات المعنية بالشأن الثقافي في السلطنة على وضع الخطط والبرامج الثقافية والفنية المكثفة احتفاء بهذا العام منها ما هو موجود أصلا، كالندوات، والمحاضرات، والمؤتمرات، والمهرجانات الفنية والمعارض، فتمّ تفعيله، وتعزيزه، ورفده بزخم أكبر هذا العام ومنها ما هو مستحدث يقام لأول مرة كإنتاج أول فيلم سينمائي عماني، وإقامة أيام ثقافية عمانية في اليونسكو، وغيرها من البرامج التي نأمل أن تضيف مساحات ثقافية أكثر سعة يتوافر فيها التنوّع، والحافز الذي يستقطب قطاع المثقّفين، وجميع العاملين والمهتمين في الحقل الثقافي. أما على صعيد الطموحات الثقافية، فتسعى الوزارة بشكل عام إلى استكمال البنية الأساسية للمرافق الثقافية من ناحية، والى دراسة الوضع الثقافي الراهن، ومقوماته، وسبل تطويره نحو استراتيجية طموحة وطويلة المدى من ناحية أخرى.
مشاريع ثقافية
• تسعى الوزارة جاهدة بقيادة سموكم الى تبني مشاريع مؤسسية ثقافية حبذا لو نتعرّف على هذه المشاريع، ونوعياتها، ومستوياتها؟
ـ قد لا يتّسع المجال هنا لشرح وافٍ، أو تفصيلي للمشاريع الثقافية التي تتبناها الوزارة، أو تدعمها وإنما خلاصة القول هنالك تعامل مع المشاريع الثقافية على أكثر من مستوى. المستوى الأول يتمثل في المشاريع التي تخطط لها، وتنفذها المديريات العامة المعنية بالشأن الثقافي في الوزارة. المستوى الثاني يتمثل في تلك المشاريع التي تنفذها الوزارة بالتعاون مع الجهات الرسمية الأخرى المعنية بالشأن الثقافي في السلطنة كوزارة الإعلام، ووزارة التعليم العالي، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ووزارة السياحة، ومكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية، وجامعة السلطان قابوس، ومركز السلطان قابوس للدراسات الإسلامية، وبلديّة مسقط، وبلدية ظفار، والجمعيّة العمانيّة للفنون التشكيليّة، والجمعيّة العمانيّة للسينما. المستوى الثالث يتمثّل في مشاريع التعاون الثقافي التي تعمل الوزارة على تنميتها مع الدول الشقيقة، والصديقة. المستوى الرابع هو الدعمان المعنوي، والمادي اللذان تقدمهما الوزارة إلى المبادرات الثقافية، والفنية التي تأتي من أفراد، وجمعيات، أو جماعات من مختلف شرائح المجتمع العماني لها مشاريع، واهتمامات ثقافية.
دور المسرح
•صاحب السمو.. ونحن نعيش حدثا مسرحيا كبيرا هو اقامة مهرجان المسرح العماني الثاني لابد أن نتساءل عن رؤية سموكم لدور المسرح في دفع الحركة الثقافية الى الأمام؟
ـ المسرح مجال ثقافي خصب يمتزج فيه الأدب، والفكر بالفن، والجمال، كما يمتزج الإبداع الفردي بالإبداع الجماعي ولعل أروع ما في ذلك كله أنه يقدم بشكل حي ومباشر مع الجمهور، فتحمل لحظة الإبداع الانطلاقة العفوية الآنية بقدر ما تحمل من الإعداد، والتخطيط المسبق، كما يجد الفنان استجابة فورية تقيم ما قدّمه على خشبة المسرح كفعل ورد فعل متداخل، ومتزامن. المسرح مجال قادر على استيعاب شتى أنواع الفنون كالتمثيل، الموسيقى، الغناء، الحركة التعبيرية، الفنون التشكيلية، الأزياء، الماكياج، فن الإضاءة وغيرها والمضي بهذه الفنون إلى أقصى ما تقدمه من عطاءات، وانسجام وتناغم مع بعضها البعض، لذا يمكننا أن نعتبر كلّ عمل مسرحي هو حالة تفعيل، وتحريك ثقافي فني عامة على مستوى المثقفين والفنانين وعلى مستوى الجمهور، والمتابعين، والمهتمّين، والنقّاد، والكتاب والصحافة والإعلام بصفة عامة. إن هذا الزخم والثراء والتنوع الذي يمتاز به العمل المسرحي يجعلنا نعوّل على المسرح أن يكون أحد الروافد الرئيسة في بلورة الحركة الثقافية في السلطنة.
دعم النشاط المسرحي
•حبذا لو نتعرف من خلال اللقاء مع سموّكم على الأشواط التي قطعتها الوزارة في تلبية طموحات المسرحيين العمانيين بإنشاء قاعات عرض حديثة، ودعم النشاط المسرحي العماني؟

ـ تسعى الوزارة إلى تنظيم، وتشجيع النشاط المسرحي في السلطنة على أكثر من وجه. فأولا هناك فرق مسارح الشباب المنتشرة في كافة المحافظات والمناطق وهي تعمل بإشراف مباشر من الوزارة، وتقدم تجارب مسرحية نوعية تمتاز بالميل إلى التجديد والتعرف على مناهج مسرحية مختلفة، كما تعد هذه الفرق المكان الأول الذي يضم إليه هواة المسرح من الشباب الذين يسعون لاكتشاف قدراتهم وطاقاتهم في هذا المجال حيث توفر لهم هذه الفرق الدورات المبتدئة، والمتوسّطة، والمتقدمة أحيانا كما تتيح لهم المشاركة في أعمال مسرحية سنوية حيث يقف هؤلاء الشباب جنبا إلى جنب مع ممثلين متمرسين سبقوهم بالخبرة، والتجربة، والدراسة الأكاديمية. أمّا الوجه الآخر، فهو يتمثّل في دعم الوزارة للفرق الأهلية من خلال الإشراف عليها وتهيئة الظروف والمناخات المناسبة لأداء دورها كتنظيم المهرجانات المسرحية الداخلية لها، وتيسير مشاركاتها الخارجية، وعقد الدورات وحلقات العمل المبتدئة، والمتخصصة لأعضائها، وإذ تطمح الوزارة إلى تحقيق المزيد من خطوات التنسيق، والتشجيع للفرق الأهلية فإنها تحرص في ذات الوقت على أن يبقى لهذه الفرق نشاطها ووجودها المستقل كمؤسسات خاصة لها برامجها وأهدافها وطبيعة عملها. أمّا على مستوى قاعات العرض فإن الوزارة حاليا لديها دار عرض مسرحي في مسقط، ولديها دار أخرى ضمن المجمع الثقافي في صلالة هاتان الداران قد لا تفيان بالاحتياجات المتنامية للفرق المسرحية الشبابية، والأهلية في السلطنة وقد تلجأ الوزارة أحيانا إلى استعارة أو استئجار قاعات عرض من بعض الجهات الرسمية والخاصة في السلطنة ولعله من الأخبار السارة في هذا الصدد أن الوزارة ستقوم هذا العام بوضع حجر الأساس لمجمع عمان الثقافي الذي سيتضمن دارا حديثة للعروض المسرحية كاملة التجهيز.
• وهل هناك نية لدى الوزارة لإنشاء فرقة قومية مسرحية تمثل السلطنة في المهرجانات الخليجية، والعربية؟
ـ إننا في الوزارة نعمل على تطوير أداء فرق مسارح الشباب، والفرق الأهلية والارتقاء بالحركة المسرحية عموما، كما أننا نعتمد منهجية التفكير المتأني الذي يدرس ويقيم التجربة بمختلف مراحلها ومعطياتها قبل اتخاذ القرار. لا شك أن تأسيس فرقة مسرحية رسمية تضم نخبة من الفنانين المسرحيين العمانيين وتمثل السلطنة داخليا وخارجيا في المحافل الدولية هو طموح موجود ولكنه في ذات الوقت مسؤولية بالغة والتزام له متطلبات لابد من توافرها أولا ومتى ما تم الاطمئنان إلى أن الظروف مواتية سنعمل على تحقيق وجود مثل هذه الفرقة.
مهرجان لكل المسرحيين
•هل من كلمة تودون سموكم توجيهها الى المشاركين في هذه التظاهرة المسرحية؟
ـ إن مهرجان المسرح العماني هو مهرجان لكل المسرحيين العمانيين، ولكلّ الفرق المسرحية العمانية سواء مسارح الشباب أو الفرق المسرحية الأهلية وسواء تلك التي حالفها الحظ بالدخول إلى المسابقة أم لم يحالفها، لذا وجودهم جميعا في المهرجان مهم فإذا لم تأت فرصة المشاركة لفرقة ما، هذا العام، ستأتي في الأعوام القادمة. فما أجمل بالفنان المسرحي العماني أن يمارس دوره الإبداعي متألقا والى جواره يقف زميل له يسنده ويشد من أزره في دور متبادل من مهرجان إلى آخر.
أودُّ أن أحيي في هذه المناسبة الضيوف الذين وفدوا إلينا من الفنانين والأكاديميين المسرحيين العرب المعروفين بتميّزهم، وتجربتهم الطويلة التي أثرت الساحة العربية لعقود عديدة. كما أحيي كلّ جهد بذل من أجل إنجاح هذا المهرجان.
تفعيل النشاط الثقافي
• يتساءل البعض عن دور المثقف العماني في تفعيل النشاط الثقافي في السلطنة؟
ـ تسعى الوزارة إلى أن تجعل كل الأبواب مشرعة أمام المثقف العماني لأن يمارس دوره ويواصل عطاءه سواء على مستوى التخطيط والتنظيم مع الوزارة حيث تم ضم عدد كبير من المثقفين والأكاديميين في مختلف اللجان وفرق العمل التي شكلتها الوزارة لوضع الخطط والبرامج الثقافية التي تنفذها أو على مستوى المشاركة التنفيذية الإبداعية في تلك البرامج داخليا وخارجيا، كما تحرص الوزارة على أن تشجع مبادرات المثقف العماني حتى خارج الأطر الرسمية ما أمكن إلى ذلك من سبيل.
التراث والمنجز الفكري
• تعلمون سموّكم أنّ السلطنة زاخرة بتراث كبير سواء على صعيد العمران أو المنجز الفكري، نطمح هنا إلى أن نتعرّف على السياسات التي تهدف اليها الوزارة حول تأصيل المنابع التراثية سواء من الناحية العمرانية، أو الفكرية، وجعلها حاضرة في منظومة الثقافة العمانية؟
ـ فيما يخصُّ التراث يتمثل جهد الوزارة بالدرجة الأولى في التنقيب والدراسات الأثرية إلى جانب المحافظة على المواقع الأثرية والعمل على توفير ما تحتاج إليه من حماية وصيانة وترميم كما تهتم الوزارة بفتح بعض المواقع الأثرية للزوار وبإنشاء المتاحف المختلفة كالمتحف العماني، والمتحف الوطني ومتحف التاريخ الطبيعي والمتحف البحري والمتحف العماني الفرنسي، ومتحف الطفل، ومتحف قلعة صحار بالإضافة إلى تنظيم المعارض والملتقيات التي تيسر للباحثين والدارسين والمهتمين الاطلاع على المكتشفات والآثار وعلى صعيد المنجز الفكري فقد قامت الوزارة بجهود حثيثة في جمع المخطوطات والمحافظة عليها والعناية بها وترميم بعضها حتى تجاوز عددها اليوم 4500 مخطوطة تزخر بشتى فروع العلم والمعرفة وقد صورت هذه المخطوطات على مصغرات فيلمية تحفظها من التلف الذي قد يحصل نتيجة مرور الزمن عليها وتيسر الاطلاع عليها، كما صدرت حتى الآن ثلاثة فهارس عن تلك المخطوطات منشورة على شبكة المعلومات العالمية «الانترنت» وقد حرصت الوزارة من ناحية أخرى على إحياء التراث الفكري العماني بتحقيق، وطباعة، ونشر أمهات المخطوطات في الفقه والتاريخ، والطب، وعلم الفلك، والبحار، ليستفيد منها أكبر عدد من الباحثين والدارسين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق