مقالات

إشهار جمعية المتقاعدين

زاهر بن حارث المحروقي

مع احتفال السلطنة هذا الشهر، بالذكرى التاسعة والأربعين للنهضة المباركة، تدخل عُمان عام نهضتها الخمسين، وقد حققت الكثير من الإنجازات في المجالات كافة، بفضل الجيل المؤسس الذي تفانى في العطاء، وأنكر ذاته في سبيل رفعة الوطن. وفي غضون السنوات القليلة المقبلة، لن يبقى من ذلك الجيل المؤسس على رأس العمل، بحكم قانون التقاعد، حيث أشار الإحصاء السنوي لموظفي الخدمة المدنية للعام الماضي، وجود 13459 موظفاً من الموظفين العمانيين بالخدمة المدنية في الفئة العمرية 50 سنة وأكثر، سيحالون إلى التقاعد خلال السنوات العشر القادمة؛ ومنهم 2022 موظفاً عمانياً سيحالون إلى التقاعد خلال العامين المقبلين 2019 و2020.
ويُعتبر التقاعد ضماناً وتقديراً لعطاء الموظف خلال سنوات عمله السابقة، وسنّةً من سنن العمل، إذ لا بد أن يعطي الموظف فرصة العمل للجيل الذي يليه، حتى تستمر دورة العمل ويأخذ كلُّ جيل حقه. والواجب يحتِّم تقدير الجهود التي بذلها أولئك الرواد؛ فما نعيشه اليوم من نهضة تنموية، كان لذلك الجيل دورٌ أساسيٌ وكبيرٌ فيها، ممّا يستدعي الاستفادة من هذه الخبرات مستقبلا، فلا ينبغي أنّ يكون التقاعد نهاية المطاف، ينتظر فيها المتقاعد الموت، بل يجب أن يكون بداية لعطاء جديد؛ وهذا في الواقع موضوع آخر له علاقة بموضوع التقاعد، إلا أني في مقالي هذا أركز على نقطة أخرى ليست هي نقطة مدى الاستفادة من المتقاعدين، بقدر ما أركز على التكريم الذي يستحقونه.
خلال السنوات الماضية، طُرحت نقاطٌ عديدةٌ عن التقاعد، تناولت توحيد رواتب موظفي الخدمة المدنية، وسن التقاعد، وضرورة إشهار جمعية للمتقاعدين على غرار الجمعيات المدنية التي أشهرت في السلطنة، وغيرها الكثير من النقاط؛ إلا أنّ نقطة إشهار جمعية المتقاعدين، ربما كانت الأبرز في تلك النقاط؛ فهناك من قام بخطوات عملية ورسمية بهدف إشهار تلك الجمعية؛ فقد أبلغني محمد بن حمد الرحبي أنه ومجموعة من المتقاعدين، قدّموا طلباً رسميّا لإشهار جمعية للمتقاعدين من سبع سنوات، وتمت مراجعات كثيرة حول الموضوع، «فلا هم وافقوا ولا رفضوا، والموضوعُ معلقٌ بين السماء والأرض»، وقال إنّ أول رد جاءهم – وهو الرد الوحيد حتى الآن – كان بعد خمس سنوات من تقديم الطلب، ومع ذلك فإنّ هؤلاء المتقاعدين، قد شكلوا لجنة أخرى لمتابعة الموضوع مع وزارة التنمية الاجتماعية، وكلهم أمل أن ترى الجمعية النور قريباً. ونقطة إشهار الجمعية أشار إليها د. محمد رضا بن حسن في دراسة نشرها في جريدة «الرؤية»، في الثالث من مارس عام 2014، تحت عنوان «سنة أولى تقاعد»، والتي تناول فيها التقاعد من جوانبه كافة، ليصل إلى رؤى للمستقبل، شملت عدة نقاط، منها أهمية غرس ثقافة الاستعداد إلى مرحلة ما بعد التقاعد لدى الموظف بفترة كافية، لكي يكون متهيئاً لها من كل الجوانب المادية والنفسية، وكذلك ضرورة شمول المتقاعدين بالزيادات الأخيرة في المرتبات، والنظر في إمكانية زيادتهم بشكل دوري وبنسب تنسجم مع تصاعد وارتفاع مستلزمات الحياة. ويرى د. محمد ضرورة إعادة النظر في سن التقاعد وربطها بقدرات وإمكانات المتقاعد الذهنية والجسدية وتحصيله العلمي، مع أهمية إيجاد الآليات التي يتم من خلالها الاستفادة من المتقاعدين أصحاب المؤهلات والخبرات العالية في الاستشارات والقيام بالدراسات والبحوث واللجان المتخصصة، ونشاطات المجتمع المدني. واقترح ضرورة تخصيص يوم للمتقاعدين، يتم فيه تكريم الجدد منهم، والتعريف بما قدموه من خدمات لمجتمعهم، وترسيخ ثقافة أنّ المتقاعد طاقة كبيرة يمكن الاستفادة منها، مع ضمان مشاركة المتقاعدين في الحياة العامة في الحفلات الرسمية والمهرجانات والاحتفالات والأنشطة والفعاليات العامة، التي كانوا يشاركون فيها أثناء حياتهم العملية. وكانت النقطة البارزة في رؤى المستقبل هي العمل على إنشاء جمعية للمتقاعدين، تتولى الاهتمام بهم والعمل على التواصل مع الجهات المعنية بشؤون وخدمات المتقاعدين، وتوفير الخدمات والتسهيلات لهم، والعمل على تبني مشروع «بطاقة متقاعد»، تضم حزمة خدمات تقدم للمتقاعد مجانية أو بأسعار مدعومة.
وفي رأيي أنه في حالة إشهار جمعية المتقاعدين، ستكون هناك خطوات عملية من قبل الجمعية، لضمان تطبيق النقاط الواردة في دراسة د. محمد رضا؛ لأنّ الفراغ الذي يعيشه المتقاعد، وعدم وجود بديل مخطط له، يجعله أمام ساعات فراغ طويلة. ومع مرور الأيام يزداد شعور المتقاعد بأنّ تركه للوظيفة جعل منه شخصاً لم يعد له دورٌ إيجابيٌ في الحياة الفعلية للمجتمع، وبأنه أصبح خارج نطاق الحياة الفاعلة، وبأنه أصبح عبئاً على البيت والأسرة والمجتمع. وتزداد حدة هذا الشعور في العام الأول للتقاعد وهو ما يؤكد عليه المختصون، الذين يشيرون إلى أنّ هذه التأثيرات النفسية تكون أشد وطأة على المتقاعد في العام الأول، إذ يعاني فيها المتقاعد من تحولات نفسية وجسدية عديدة يغذيها شعوره بفقدانه لمميزات العمل الرئيسة، فيغدو المتقاعد أكثر حساسية تجاه تعليقات وملاحظات الآخرين ممن حوله، ثم تبدأ حالة من الحزن وربما الكآبة في التسرب لروحه وجسده، ويميل ميلاً قسرياًّ نحو العزلة. وفي الحقيقة لقد شاهدنا أمثلة عديدة من المتقاعدين الذين أصيبوا بالأمراض فجأة، لأنهم نفسياً لم يكونوا مهيئين لخطوة كهذه – رغم أنها متوقعة ومنتظرة -، لذا فإننا نضم صوتنا مع كلِّ المنادين بإشهار جمعية للمتقاعدين على غرار الجمعيات المدنية الأخرى، وأسوة بدول المنطقة التي أشهرت فيها جمعيات للمتقاعدين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق