العام

الدكتور علي الكلباني: أغلب الناس ليس لديهم حصانة ضد الإشاعة

حوار: حسن المطروشي

لا يمكنك أن تصغي إلى حديثه دون أن تستمع إليه بكل حواسك وجوارحك، وتتلقف حديثه بعين واعية وآذان صاغية. رجل عصامي من الطراز الرفيع. لم تكن الطريق أمامه مفروشة بالورد والحرير، ولم يولد وفي يده ملعقة براقة من الذهب. وإنما سلك الطريق بإرادة وعزيمة صلبة، خرج مبكرا من بلدته (عمق) الواقعة في أقصى الشمال من سواحل صحار. بدأ حياته منذ نعومة أظفاره بين البحر والمزرعة، ودخل الكتاتيب، وغادر دفء منزله فتى يافعا للتعليم والعمل خارج وطنه، اضطر في بداية حياته لممارسة أبسط المهن، ولكنه في الوقت ذاته كان سقف طموحه عاليا، وكانت عيناه ترقبان الأفق البعيد، وكان قلبه ينبض بالأحلام المستحيلة والممكنة آنذاك.

وعبر رحلة كفاح وإصرار كبير، ارتقى سلم النجاح بثبات منقطع النظير، حتى تبوأ المناصب الرفيعة، وساهم في بناء وطنه، حتى تهيأ له أن يكون إحدى الشخصيات الوطنية البارزة في ميدان الإعلام العسكري والثقافة والفكر والأدب. إنه العميد الركن متقاعد الدكتور علي بن عبدالله الكلباني، الذي التقت به التكوين واقتربت من عالمه وفتحت أوراقا من ذاكرته الخصبة، لتقدمه للقارئ عبر الحوار التالي: 

قرية على ساحل البحر

* يعرفك الناس كشخصية عسكرية وإعلامية ووطنية بارزة، ولكن وددنا أن نعرف عن بدايات هذه الشخصية، وكيف تكونت، وأين بدأت؟

** أنا من مواليد 1956م، في قرية عمق التابعة لولاية صحار، وهي قرية ساحلية، وبطبيعة الحال كان البحر هو الإطلالة الأولى التي فتحت عليها عيني في هذا الوجود، وهو مصدر الرزق الأول إلى جانب الزراعة لأهل قريتي. لي علاقة طويلة مع البحر بدأت مع الخطوات الأولى من العمر.

وكغيرها من القرى العمانية كانت مجالات الحياة في قريتي محدودة وشحيحة للغاية، ولم يكن أمام الناس لكسب الرزق سوى مجالين اثنين لا ثالث لهما وهما البحر والزراعة. فكان لزاما علي بصفتي أكبر إخوتي أن أخوض تجربة العمل في البحر، ومنذ أن تفتحت مداركي على هذا العالم كان أمامي طريقان وهما التوجه للعمل في البحر والمزرعة لمساعدة والدي والذهاب إلى “المطوع” لدراسة القرآن الكريم، وتعلم مباديء القراءة والكتابة.

من الكتاتيب للدكتوراه

* اهتممت بطلب العلم وكنت شغوفًا بالمعرفة، منذ نعومة أظافرك، وتحديت في سبيل ذلك كل المعوقات والظروف. هل لك أن تطلعنا على جانب من مسيرتك التعليمية؟

** لم يكن حينها في السلطنة بأسرها سوى ثلاث مدارس، وكانت توجد في العاصمة مسقط وصلالة، وبالتالي كانت بداية مشواري في التعليم مع “المطوع” أو ما يعرف بالكتاتيب، وكان في قريتي اثنان من المعلمين أو المطاوعة – رحمة الله عليهما- درست على يديهما، ثم انتقلت إلى قرية “حارة الشيخ” للتعلم على يد شيخ آخر، وبعد ذلك انتقلت إلى قرية “مجيس”، حتى مررت بخمسة كتاتيب، وكان التعليم يقتصر على قراءة القرآن الكريم وحفظ بعض السور، إضافة إلى الكتابة والقراءة. وأذكر أن عدد الذين يجيدون القراءة والكتابة في قريتي لا يتجاوز خمسة أشخاص.

وفي مطلع عام 1970 سافرت إلى أبوظبي، لمواصلة تعليمي، وذلك في سن مبكرة، حيث اضطررت إلى جانب الدراسة للعمل وكنت في سن الرابعة عشرة مبتدأً بوظيفة بسيطة جدًا، أزاوج بين العمل الصباحي والدراسة المسائية. وهكذا تمكنت من تأسيس نفسي ووضع اللبنة الأولى  لحياتي، وقبول التحدي، رغم ما كنت أواجهه من صعوبات وضغوط، إلا أنني كنت عاقدا العزم على تطوير قدراتي المعرفية والارتقاء بمستواي التعليمي.

* وماذا عن العودة مجددا للوطن، وكيف بدأت حياتك العملية والعلمية من جديد؟

** عدت للسلطنة عام 1974م، حيث التحقت بالعمل في وزارة الدفاع (التوجيه المعنوي)، وواصلت دراستي أيضا، إلا أنه نظرًا لظروف العمل لم تتح لي الفرصة لإكمال التعليم لعدة سنوات بسبب التزاماتي الوظيفية إلى جانب عملي الجزئي في الإذاعة والتلفزيون، وحضوري لدورات في مجال العمل بعدد من الدول العربية والأجنبية، مما حتم علي التوقف عن مواصلة الدراسة حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي، حيث استأنفت مسيرتي في التعليم، حتى أنهيت الدكتوراه ولله الحمد في يوليو عام 2007م، وذلك قبل أربع سنوات من تقاعدي من عملي العسكري.

في خدمة الوطن

* قضيت جزءا كبيرا من حياتك العملية في التوجيه المعنوي، وأسهمت في تأسيس وتطوير العديد من المشاريع الإعلامية مثل المكتبة وبرنامجي (ركن القوات المسلحة) و(أبطالنا المغاوير) ومجلة (جند عمان) وغيرها. نتطلع في هذا الحوار لمعرفة المزيد هذه المنجزات الإعلامية العسكرية؟

** يمتلك التوجيه المعنوي مكتبة كبيرة تم البدء بها منذ أواخر السبعينيات، تزامنا مع انتقال التوجيه المعنوي من معسكر بيت الفلج إلى مقره الحالي في معسكر المرتفعة. وكانت النقلة الحقيقة للمكتبة ومكتبات وزارة الدفاع وقوات السلطان المسلحة الأخرى في حوالي عام 1983م، عندما قام التوجيه المعنوي باقتناء مجموعة كبيرة من الكتب وتوزيعها على مكتبات قوات السلطان المسلحة. وتعد مكتبة التوجيه المعنوي مكتبة أساسية وكبيرة على المستوى العسكري، إلا أن هناك مكتبات منتشرة في مختلف وحدات وتشكيلات قوات السلطان المسلحة، وكان للتوجيه المعنوي كما أسلفت دور كبير في تأسيس هذه المكتبات من خلال توفير النواة الأولى لها من الكتب والإصدرات المختلفة. والآن تضم مكتبة التوجيه المعنوي عناوين عديدة من الكتب في مختلف فروع المعرفة وهي معين خصب لطلاب المعرفة والباحثين والدراسين وعشاق القراءة من العسكريين.

أما مجلة “جند عمان” فقد عملت فيها بشكل جزئي منذ التحاقي بالخدمة العسكرية حتى عام 1979م، حيث تشرفت بتولي منصب رئيس التحرير بها، واستمر ذلك حتى عام 2003م، حيث تسلمت رئاسة المراسم العسكرية، ثم عدت مرة أخرى بعد ثلاث سنوات لأواصل العمل في التوجيه المعنوي ولأرأس تحرير المجلة من جديد. بدأت المجلة بـ 28 صفحة، ثم وصلت إلى 100 صفحة وتتجاوز ذلك في المناسبات. ومن واقع دراستي واطلاعي على المجلات العسكرية تعد مجلة جند عمان من المجلات التي تطور مستواها وما تزال محافظة على المستوى الذي وصلت إليه. وعلى العموم فإن المجلات العسكرية –بشكل عام- تواجه مشكلة في ندرة وجود الكاتب المتخصص إلا أن مجلة جند عمان استطاعت التغلب على هذه المعضلة من خلال استمرار التواصل مع الكتاب المعروفين من الدول العربية وغيرها من ناحية، وإتاحة المجال للكتاب العسكريين المحليين من ناحية أخرى.

أما برنامج ركن القوات المسلحة فقد بدأ كما أشرت في يناير 1974 وأنا التحقت به في يونيو من نفس العام، وكانت الإذاعة حينها تبث من مقرها في بيت الفلج، حتى انتقلت لاحقا إلى القرم، وقد تطور البرنامج كثيرا، وكان توجهه في السابق عملياتيا في الغالب، إذ كان الوضع حينها يقتضي أن يتضمن البرنامج جرعات نفسية وتوجيهية مكثفة، إلى جانب الأمور العسكرية والتثقيفية بنسبة أقل،  أما بعد ذلك فقد أصبح البرنامج تثقيفيا أكثر من أي شيء آخر، سواء فيما يتعلق بالثقافة العسكرية أو الثقافة بمفهومها العام، ويعد من البرامج الناجحة.

هذا البرنامج إلى جانب برنامج (أبطالنا المغاوير) فتحا لي الباب على فضاء الإعلام لاحقا، حيث تعاونت فيما بعد مع الإعلام كقارئ لنشرات الأخبار ومعلق ومعد ومقدم لبعض البرامج في الإذاعة والتلفزيون.

أما برنامج (أبطالنا المغاوير) فقد بدأ في عام 1975م، وهو يَعرِض للتطور الذي شهدته قوات السلطان المسلحة في كافة قطاعاتها وتشكيلاتها ووحداتها، إضافة إلى تقديمه موضوعات عسكرية تثقيفية للضابط والفرد، وهو من البرامج الناجحة من وجهة نظري.

في ميدان الإبداع والأدب

* ننتقل الآن إلى الجانب الأدبي في حياتك، وعلاقتك الوطيدة بالكتاب الذي كان رفيقك دائما. كيف كانت بداية الانطلاقة وإلى أين وصلت، وما هي المجالات التي طرقتها؟

** بدايتي مع الكتاب تعود إلى مرحلة الستينيات عندما أهداني والدي ـ وهو رجل لا يقرأ ولا يكتب ـ كتاب (سمط النجوم العوالي) للشيخ خلفان بن جميل السيابي. وكنت ما أزال صغيرًا، في بدايات تعلمي للقراءة والكتابة على أيدي الكتاتيب (المطاوعة)، وقد فقدت هذا الكتاب لاحقًا دون أن أنتبه، ولكني أشعر كأني فقدت عزيزا علي. لقد اقتطع والدي مبلغا من المال لشراء هذا الكتاب، في الوقت الذي كنا في شظف من العيش. ويمثل هذا الكتاب بدايتي الحقيقية مع القراءة وعلاقتي الأولى بالكتاب والمعرفة.

أما بدايتي مع القصة والسرد بشكل عام فكانت في عام 1974م عندما أهداني صديق أردني – وكنت حينها أحضر دورة في المملكة الأردنية الهاشمية- رواية (ذئب البوادي) للكاتب الألماني هيرمان هيسة. كما اطلعت لاحقا على كتابات متنوعة في السرد العربي لكتاب مثل محمدعبدالحليم عبدالله، عبدالحميد جودة السحاب، علي أحمد باكثير، يوسف إدريس، يوسف السباعي، نجيب محفوظ، وغيرهم، إلى جانب كتاب عالميين معروفين في هذا المجال، وكانت أول قصة كتبتها تحمل عنوان (البندقية) نشرت في مجلة جند عمان، وواصلت التجربة حتى تشرفت عام 1983م بحصولي على المركز الأول على مستوى السلطنة، في مجال القصة القصيرة، ضمن المسابقة التي تنظمها وزارة التراث القومي والثقافة حينها، بمناسبة عام الشبيبة، ولكن للأسف توقفت كتابتي للقصة القصيرة بعد صدور مجموعتي القصصية الأولى (صراع مع الأمواج) عام 1987م. كما تضاءل اهتمامي بقراءة القصة القصيرة نظرا لانصرافي لاستكمال الدراسة. وقد حولت إحدى قصصي (النجاح) إلى سهرة تلفزيونية بعنوان (الفرّاش)، كما حول بعض نصوصي إلى أعمال درامية إذاعية، وأيضا درست لي قصتان في المناهج الدراسية في السلطنة، إحداهما بعنوان (المصر الأحمر) في كتاب الأدب والنصوص للصف الثاني عشر عام 2004، والأخرى بعنوان (صديق الأمس واليوم) في كتاب (من عيون الأدب) للصف الخامس عام 2010.

أما المجالات الأخرى فإن لي محاولات في الشعر بنوعيه، حيث بدأت في كتابة الشعر النبطي عام 1972 وما أزال، أما الشعر المقفى أو العمودي فقد شاركت بثلاثة أعمال، وهي: كلمات اللوحتين الأولى والأخيرة في المهرجان البحري بمناسبة التشريف السامي لجلالة السلطان المعظم لولاية صحار في عيد الأضحى المبارك عام 2000، وكلمة للوحة وطنية عسكرية في احتفالات محافظة مسقط بالعيد الوطني عام 2005.

أما الإصدارات الأدبية فقد صدر لي حتى الآن تسعة كتب وهي: (صراع مع الأمواج) وهي مجموعة قصصية، و(رشحات قلم)، و(سطور في حب عمان) وهو تجميع لبعض المقالات التي نشرت لي، و(الصحافة العسكرية)، و(الصحافة المتخصصة)، و(الإعلام العسكري)، و(فنون الكتابة للصحافة العسكرية)، و(الحرب النفسية)، و(الروح المعنوية).

الإشاعة وسائل وأهداف

* أنت أيضا متخصص في موضوع الإشاعة ومواجهتها إذ لديك كما نعلم دبلومان في نفس المجال من أمريكا، إضافة إلى دورات من دول أخرى، كما أنك أصدرت كتابًا عن الحرب النفسية التي تعتبر الإشاعة إحدى وسائلها. كيف ترى انتشار الإشاعة الآن، مع تطور وسائلها، وما هو تقييمك لقابلية المجتمعات واستعدادها لقبول الإشاعة أو رفضها؟

** شخصيا أشعر أن كثيرًا من الناس ليست لديهم حصانة من الإشاعة واختراقها، لاسيما مع تطور وسائل نقل الإشاعة وترويجها. سابقا كانت الكلمة المباشرة أو المشافهة هي الوسيلة الأساسية لانتقال وتوصيل الإشاعة، بالإضافة إلى الإشاعة المكتوبة، وفي حدود ضيقة. أما الآن فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي قنوات خطيرة وهامة جدا في نقل الإشاعة وترويجها على أوسع نطاق وفي سرعة فائقه.

أغلب المجتمعات تقريبا ليست مهيأة دائما لتفنيد الإشاعة ورفضها والتعامل معها بوعي وإدراك. لإن الإشاعة دائما تعمتد على عنصرين مهمين جدا في التأثير على المتلقي، وهما الأهمية والغموض. فكلما كان الأمر غامضا، وكلما كان مهما للإنسان ساعد ذلك في سرعة انتشاره ورواجه بين الناس.

ما يجري هذه الأيام أمر في غاية الخطورة، لأن تناقل الإشاعات يتم بشكل يومي تقريبا، لاسيما عن طريق خدمة الواتس آب. وهنا أود التأكيد على ضرورة تحري الدقة ومدى صحة المعلومة والثقة في المصدر قبل تمرير المعلومة إلى شخص آخر، لأن ما يجري  تناقله من الإشاعات، قد يكون بهدف تحقيق مآرب وأهداف شخصية، وقد يكون نتيجة نقمة شخص معين على جهة ما، وربما يستهدف النيل من مؤسسسة حكومية أو شخص بعينه، نتيجة مأرب أو خلاف شخصي مثلًا وما شابه ذلك. وقد يكون مصدر الإشاعة خارجيا يستهدف النيل من أمن البلد واستقراره.

الذي يطلق الإشاعة يتحين الفرص، ويختار الوقت المناسب لنشرها وترويجها، مثل أوقات غلاء الأسعار، كما يحصل الآن في ظل الظروف التي تواجهها معظم الدول بسبب تدني أسعار النفط، وهو ما يستغله المغرضون استغلالا بشعا. وهنا يجب على المرء أن يتحلى بالوعي الكافي ويتحرى الدقة وأن لا ينساق وراء أية إشاعة أو ما يتم تداوله دون التأكد من صحة المعلومة أو خطأها. وكما هو معلوم أن الخبرأو المعلومة التي تتضمنها الاشاعه تتغير وتتعرض للتعديل والإضافة خلال عملية النقل من شخص لآخر، وكل يضيف ما يحلو له.

كما أن الجهات التي تُشن عليها الإشاعة يتوجب عليها أن تتعامل معها بوعي وأسلوب علمي صحيح. لأن الرد المباشر على الإشاعة وتكرارها من شأنه أن يؤججها ويؤدي إلى انتشارها بشكل أكبر.

تم نشر هذا الحوار في العدد (12) من مجلة التكوين …

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق