العام

صوموا تصحوا

د. حمد بن ناصر السناوي

حضرت أخيرًا أحد الموتمرات العالمية للطب النفسي، وكان أحد المتحدثين عن الغذاء والصحة النفسية. وقد تطرق الحديث عن دور الصيام في مساعدة الأفراد على إنقاص الوزن، ودور ما يسمى بعيادات الصيام المنتشرة في الدول الغربية. كما قام بعرض الدراسات العلمية التي تدعم ذلك. كما تطرق إلى دور ما يعرف بالصيام المتقطع في مساعدة الأشخاص في إنقاص الوزن دون الشعور بالجوع والمعاناة وعدم القدرة على الاستمرار في النظام الغذائي الذي تقتضيه معظم برامج الحمية الأخرى. وأنهى حديثه بالإشارة إلى أن المسلمين يقومون بذلك خلال شهر رمضان، وأن من يواظب على الصيام يستفيد من آثاره الصحية لفترة أطول. 

استوقفني حديثه للتآمل، ليس لحاجتنا كمسلمين إلى الدراسات العلمية لفهم معاني العبادات، فالمسلم يمتثل لأوامر الله عز وجل ويتبع سنة نبيه المصطفى عليه الصلاة والسلا، دون الخوض في نقاشات علمية. ولكن لمساعدتنا على  استيعاب فضل  شهر رمضان المبارك وكيف يمكننا اعتباره  فرصة للتغيير، ليس فقط في العادات الغذائية وإنما في السلوكيات الذاتية والاجتماعية بشكل عام، فالامتناع عن الملذات الجسدية خلال فترة الصيام تمنح  الفرد شعورا بضبط النفس وشحذ الإرادة.
كما أن رمضان فرصة لتقوية العلاقات الاجتماعية في زمن سادت فيه وسائل التواصل الاجتماعي بين الأفراد . كما أن فترة الصيام التي قد تمتد إلى أكثر من ١٦ ساعة في بعض الدول تمنح الأشخاص فرصة ذهبية للامتناع عن الممارسات غير الصحية مثل التدخين وشرب الكحوليات. والإسراف في تناول الطعام غير الصحي بكميات كبيرة وما يصاحبة من أمراض مثل السكري  وارتفاع ضغط الدم وزيادة معدل الدهون في الجسم.
قام الدكتور الألماني أوتو بوشينغر بإنشاء أول عيادة للصوم عام ١٩١٩ بعد تجربته الشخصية في التعافي  من مرض التهاب المفاصل بعد قيامه بالصوم لفترة من الزمن مما دفعه إلى إجراء العديد من الدراسات الطبيَّة التي أثبتَت  أنَّ للصوم تأثيرات علاجية تتعدَّى الإزالة المؤقَّتة لأسباب المرض، حيث لاحط أنَّ ضغط الدم يعود إلى مستواه الطبيعي بعد أيام قليلة من الصوم بالنسبة لمرضى ارتفاع ضغط الدم. كما ينعكس تقليل السعرات الحرارية الناتج عن الصوم إيجابيًّا على مخزون الأنسولين بالنسبة لمرض السكري، وكذالك الأمر بالنسبة  لمرضى الروماتيزم وغيرها من  الآلام المزمنة. والمرضى الذين يعانون من سِمنة مُفرطة والذين لم يستفيدوا من حميات الغذاء التقليدية. كما أشارت الدراسات العلمية إلى أن الصيام يعزز من جهاز المناعة حيث إن مرضى السرطان الذين قاموا بالصيام أظهروا استجابة أفضل للعلاج الكيماوي.
الصوم والصحة النفسية: 
يمر كل منا بظروف في حياته اليومية قد تسبب له مشاعر متباينة، مثل القلق وعدم الارتياح، وفقدان الثقة بالنفس، أو حتى الرغبه في الانعزال عن الآخرين والانغماس في الهموم وكيفية التخلص منها. هذه الضغوطات جزء من الكفاح اليومي. البعض منا يتعامل معها بحكمة فتبقى نفسيته صلبة، والبعض الآخر تغلب عليه الهموم فيقع فريسة لهذه الأفكار والمشاعر السلبية، وقد تسبب له أعراض المرض النفسي، يأتي الصيام ليدخل خلاله الصائم في تجربة لإعادة برمجة حياته، بدءا من تغيير الروتين اليومي واتباع الأوامر الربانية في الامتناع عن مبطلات الصوم التي لا تقتصر علي الملذات الجسدية بل تشمل عادات أخرى قد ينساق المرء إليها دون وعي مثل الغيبة والنميمة والخوض في أعراض الآخرين، ومثلها من الممارسات اليومية التي أصبحت شبه طبيعية مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وهيمنتها على تحديد سلوكنا اليومي. فالغيبة أصبحت تنتشر بين المجالس حتى وإن كان الأفراد في بلد آخر. فالصائم الذي يمتنع عن مثل هذه السلوكيات الاجتماعية التي لا طائل منها يستطيع أن يستثمر وقته في تطوير ذاته وتأمل حياته ومحاولة خلق التوازن بين أعماله الدنيوية والاستثمار لآخرته وتنظيم علاقته بذاته وبمن حوله ليعيش إنسانا ربانيا يسعى للخير والصلاح.
كما أن  العادات الاجتماعية المرتبطة بشهر رمضان من تبادل الأطعمة والزيارات بين الأهل والأصدقاء تساهم في تعزيز الروابط الإنسانيه وكيف يمكن أن يشعر كل منا بأخيه ويمد له يد العون، ليس فقط من الناحية المادية بل على الصعيد النفسي، كما أن التبرعات التي تكثر في شهر رمضان تجعل الفرد يشعر باحتياجات الآخرين من حوله وتمنحه الإحساس بالسعادة والرضا عندما يدخل البهجة إلى نفوس الآخرين من حوله.
ما بعد رمضان:
الكثير منا يشكو من صعوبة الاستمرارية في تطبيق السلوكيات المفيدة التي يصاحب روحانيات الشهر الفضيل.
و رغم أن الدراسات العلميه تشير إلى أن الفرد يحتاج بين 18 الى 224 يوما لاستبدال السلوكيات القديمة بأخرى جديدة. ويفسر ذلك بحدوث تغيرات في أنشطة الدماغ يحدث عندما نتعلم سلوكا جديدا ومن أجل الاستمرار في ضبط السلوك الجيد يجب أن يحدث هذا التغير خلال فترة معقولة من الزمن. كما أضاف علماء النفس أن بعض السلوكيات يمكن أن تساعد الشخص على الاستمرار فى ممارسة السلوك الجيد وهي تحديد الهدف الجديد والبدء في تطبيقه ومحاولة فهم ما يسمى بدائرة السلوك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق