العام

“السير” مبارك الهنائي: قصة صعود عماني في شرق افريقيا

 

خليفة بن مبارك بن علي الهنائي، من مواليد ممباسا، درس فيها إلى المرحلة الثانوية، وفي عام 1966م غادرها لإكمال تعليمه الجامعي بجامعة الكويت، في تخصص علوم الأرض (جيولوجيا) حيث أصبحت بمثابة البداية في رحلة العودة إلى أرض الوطن، ففي عام 1972م عاد إلى السلطنة بعد نيله الشهادة الجامعية، جمع في منزله بمدينة العذيبة الكثير عن سيرة والده، والي ممباسا في عهد السلطان العماني في زنجبار السيد خليفة بن حارب، ثم أصبح واليا للساحل الكيني خلال أعوام 1942-1959م، معروضات ذات قيمة تاريخية كبيرة تعطي ملمحا عن الوجود العماني في شرق إفريقيا.

في هذا الحوار يسرد خليفة بن مبارك الهنائي، في سطور شيقة احتوت على معلومات، وحقائق، وأحداث وذكريات خصها لقراء التكوين.

في نوفمبر عام 1990 م تم منح خليفة بن مبارك الهنائي وسام التقدير للخدمة المدنية الجيدة من الدرجة الأولى من صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله -.

حوار: أنوار البلوشية

للوجود العماني في الأراضي الأفريقية حكايات وأحداث كثيرة، ولخليفة الهنائي حكاية حول سبب تسميته بهذا الاسم، حيث قال: كان والدي واليا للساحل الكيني الافريقي، وممثلا لسلطان زنجبار في الساحل، وفي عام 1950 خلال زيارة السلطان خليفة بن حارب سلطان زنجبار لممباسا كانت والدتي حاملا بي، وفي الشهر التاسع قبل الوضع، وفي حفلة الغداء التي أقيمت على شرف السلطان خليفة بن حارب لقدومه إلى زنجبار، وضعت والدتي مولودا ذكرا فقرر والدي تسميته خليفة، وأبلغ السلطان خليفة حينها بهذا الخبر أثناء مأدبة الغداء، فمن هنا جاءت فكرة تسميتي بهذا الاسم. وقد كتب السلطان خليفة بن حارب رسالة لوالدي يشكره على الزيارة ويعلمه بحال ابنه خليفة، وتم الاحتفاظ بهذه الرسالة ضمن الوثائق المحفوظة.

وأضاف: بعد عودتي إلى السلطنة عملت في دائرة النفط والمعادن التي كانت تابعة لمركز التخطيط الاقتصادي، ثم في عام 1975م أنشئت وزارة الزراعة والأسماك والنفط والمعادن، ثم أصبحت وزارة النفط والمعادن، وأخيرا سميت بوزارة النفط والغاز إلى أن تقاعدت منها بوظيفة مستشار في الوزارة، وفي عام 1974م تم ابتعاثي إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتحضير رسالة الماجستير في جيولوجيا النفط، بجامعة تكساس، وتخرجت منها في عام 1976م. ثم بقية الأخوة والأهل خرجوا من ممباسا إلى عمان على فترات متفاوتة، منهم من ذهب طلبا للعلم إلى بريطانيا أو أمريكا ثم عادوا إلى السلطنة.

حكمة وإدارة رشيدة

التاريخ والبصمة المميزة، الروابط والعلاقات الداخلية والخارجية جميعها ممثلة في الشيخ السير مبارك بن علي الهنائي، حيث تحدث خليفه عن والده قائلا:”الوالد الشيخ السير مبارك بن علي الهنائي ولد في عام 1896م في ممباسا، عين واليا لممباسا عام 1930م، أصبح واليا للساحل الكيني خلال عام 1942-1959م، وهو أب لأربعة عشر من الأبناء البنين والبنات الذين أنجبهم من زوجته الثالثة بعد فراق زوجتين قبلها لعدم الإنجاب، كان الوالد العزيز يمثل الأب الحنون والسياسي المحنك، حيث استطاع أن يكسب احترام كل من حوله من حكام الأقاليم ورؤساء الدول، بمن فيهم القوى العظمى حينذاك وهي بريطانيا، ولم يكن لدى العمانيين في شرق أفريقيا وفي ممباسا خاصة، الجيوش الجرارة والأساطيل الكبيرة، ولكن كانوا يمتلكون العقلية السياسية الحكيمة المتزنة، والإدارة الرشيدة التي كسبت من خلالها احترام المجتمع الدولي حينذاك، توجت بمنح الشيخ مبارك لقب سير من قبل ملكة بريطانيا فأصبح يلقب بالشيخ السير مبارك بن علي الهنائي، وكان من بين ثلاثة أشخاص من العرب منحوا هذا اللقب في شرق أفريقيا، منهم السلطان خليفة بن حارب البوسعيدي، رحمه الله، والشيخ السير سعيد بن علي المغيري.

الوجود العماني

ذكر الهنائي الأسباب التي دفعته إلى السعي إلى الاحتفاظ بمقتنيات تاريخية قديمة، والاجتهاد في الحفاظ على آثار الوجود العماني في شرق أفريقيا: إن تاريخ الوجود العماني الإيجابي عبر التاريخ في شرق أفريقيا لم يكتب بطريقة ترضي الأجيال العمانية والعربية والإسلامية الحاضرة والمستقبلية، فهناك قصور كبير في كتابة التاريخ العماني، لقلة المؤلفين المؤرخين والدارسين العمانيين في هذا المجال، فنحن الآن نأخذ معظم تاريخنا من المصادر الأجنبية الغربية، من هنا يأتي دوري المتواضع وحبي، ورغبتي في الحفاظ على هذا التاريخ العظيم، وإبرازه للأجيال القادمة، حيث إنني عضو مجلس إدارة الجمعية التاريخية العمانية، وأعمل على دراسة هذا مع زملاء لي، وبصدد تسليم المخطوطات التي لدينا عن ممباسا خاصة، وشرق أفريقيا عامة لهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية لحفظها وإبرازها للدارسين والمهتمين والعامة.

ويضيف: لقد قمنا بجمع بعض المخطوطات والمقتنيات من ممباسا ولامو وماليندي، ومن الأراضي التي كانت تحت حكم سلطنة زنجبار في حينها، حيث إن بعضها سرق، واضطررنا إلى شرائها من الناس في أفريقيا وأوروبا وغيرها من دول العالم، وبعضها يعود عمرها إلى أكثر من 200 عام، وبعضها ينتمي إلى ما قبل الإسلام، فما أن نسمع عنها حتى نسعى للوصول إليها واسترجاعها.

وقود الشعوب

يمضي خليفة الهنائي بالقول: إن الأمة المحافظة على تاريخها يكون لها حاضر ومستقبل مشرق، لأن التاريخ هو وقود الشعوب الحية وخاصة جيل الشباب منها. فيجب علينا تغذية الشباب العماني فكريا وعقليا بالتاريخ العماني الحكيم المتزن الذي كانت أبرز عناوينه التسامح الديني والعرقي، والثقافي، واحترام الغير، لنصنع منهم قادة المستقبل في عالم مليء بالتحديات المختلفة، إن العقلية العمانية الحكيمة المتزنة عبر التاريخ كانت دائما صمام أمان، ومفتاح حل للقضايا الدولية المختلفة، والمطلوب منا هو إبراز هذه العقلية الفذة للقاصي والداني، حيث إننا نعيش هذه العقلية إلى وقتنا الحاضر ممثلة بصاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان المعظم، حيث استطاع أن يثبت للعالم أجمع السياسة الحكيمة المتزنة المسالمة لأكثر من أربعة عقود، فأصبحت عمان قبلة السلام العالمي و مفتاح الحلول في كثير من القضايا الدولية المعقدة، إن النموذج العماني التاريخي، والمعاصر في الحكمة ورجاحة العقل والتسامح لهو مثال يحتذى به بشهادة العالم أجمع.

مؤلفات قيمة

لوالده عدة مؤلفات ترجمت إلى لغات مختلفة، يتحدث عنها خليفة قائلا: “أول مؤلفات الوالد مبارك بن علي كتاب “الانكشاف” بالتعاون مع مؤرخ بريطاني اسمه هيتشينز “Hichens”  وقد طلب الوالد منه كتابة الكتاب وطبعه في بريطانيا، ولكن عندما عاد هيتشينز إلى بريطانيا طبع الكتاب باسمه ولم يرغب الوالد حينها مقاضاته بسبب موقعه وعلاقاته الدولية، ومازال الكتاب موجود إلى يومنا هذا. الكتاب الثاني الذي ألفه الوالد العزيز هو كتاب “العقيدة” طبع في لندن عام 1950م باللغة الإنجليزية، وبعدها ترجم إلى العربية والسواحلية في عام 1985م وطبعته وزارة التراث والثقافة تحت عنوان “العقيدة والقلعة العمانية” ونفذت نسخه لكثرة الطلب عليها، وتمت طباعته مرة ثانية خلال عام 2015، بالنسختين العربية والإنجليزية.”

ذكريات جميلة

وفي الختام ذكرالهنائي المقتنيات التي ما زالت بحوزته وتعبق منها ذكريات قديمة: كان للوالد في ممباسا بيت ومزرعة وبعض العقارات التي يتم إيجارها الآن، وقد أصبحت أنا المسؤول عن هذا المال نيابة عن بقية الورثة خاصة بعد التقاعد من وزارة النفط والغاز، أصبحت المسؤول عن إدارة المال في ممباسا من ناحية قبض الأموال، وإخراج الزكاة، وتعليم الفقراء، والأسر المحتاجة هناك، وكان للوالد العزيز سيارة شيفروليه إمبالا أمريكية الصنع، حيث كانت واحدة من ثلاث سيارات في شرق أفريقيا. وبعد وفاة الوالد في عام 1959م انتقلت السيارة إلى ملكية الورثة، وفي عام 1961م بيعت السيارة لتاجر في نيروبي، وهو بدوره باعها إلى جنوب أفريقيا، ثم بيعت إلى كندا. وبعد البحث والتقصي المضني وجدناها واشتريناها من كندا، وأحضرنا السيارة إلى عمان، وهي موجودة لدينا الآن.

 ويختتم الحوار بالقول: لي ذكريات جميلة في المدن التي بناها العمانيون مثل مدينة لامو، ومدينة فازا، ومدينة باتيه، وكذلك مدينة ماليندي، وكان في هذه المدن الجميلة جالية عمانية كبيرة وأهل وأنساب. إن ولاة الأقاليم الأخرى مثل لامو وماليندي وغيرها من المدن التي كانت تحت إدارة الوالد، كانوا من أصدقائه كذلك، ومازالت علاقتي قائمة مع أولادهم من بعد وفاتهم.

نشر الحوار في العدد (3) من مجلة التكوين 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق