إصدارات بيت الغشام

كتاب يدرس المقاومة العُمانية للوجود البرتغالي في الخليج العربي والمحيط الهندي

يقدّم الباحث أحمد بن حميد بن الذيب التوبي في كتابه (المقاومة العمانية للوجود البرتغالي في الخليج العربي والمحيط الهندي: 1507-1698م)، الصادر عن مؤسسة بيت الغشام، دراسة علمية مهمة لهذا الموضوع التاريخي الذي يجسد حلقة مضيئة من تاريخ عمان، بما سطره العمانيون من نضال في تحرير وطنهم من المستعمر البرتغالي، بل وتحرير الخليج العربي ومطادرة البرتغاليين إلى سواحل الهند ودحرهم في إفريقيا.

يقسم الباحث كتابه إلى ستة فصول، يستهلها بفصل تمهيدي يتحدث عن عمان قبيل وصول البرتغاليين، فيذكر حالة عمان مع نهاية عصر بني نبهان وما آلت إليه الحالة السياسية من انقسامها إلى عدة ممالك متنافسة متناحرة، ثم يتحدث عن وصول البرتغاليين إلى منطقة المحيط الهندي ثم إلى الهند، واستخدامه سياسة إغلاق المضايق العربية للسيطرة على التجارة القادمة من الهند.

أما الفصل الأول فيتحدث فيه عن الاحتلال البرتغالي للمدن العمانية وسقوطها بيد المستعمر البرتغالي، ويتحدث الفصل الثاني عن المقاومة العمانية للبرتغاليين خلال الفترة التي سبقت قيام دولة اليعاربة 1624م، وهي مقاومة غير منظمة تتمثل في أربع ثورات، الأولى عام 1519م، والثانية عام 1521م، والثالثة 1526م، والرابعة 1580م. وفي الفصل الثالث يتحدث الباحث عن المقاومة المنظمة ضد البرتغاليين حيث يذكر مبايعة الإمام ناصر بن مرشد 1624م وتوحيده للبلاد أولا، وكيف بدأ ناصر بن مرشد يواجه البرتغاليين، وأخيرا عملية طردهم من عمان نهائيا في عهد الإمام سلطان بن سيف الأول عام 1650م.

أما الفصل الرابع فيتحدث عن البحرية العمانية ونشأتها وتطويرها من أجل محاربة البرتغاليين خارج عمان، وبالتالي فقد قام العمانيون بمواجهتهم في هذا الفصل في ثلاث مناطق هي الخليج العربي، والساحل الغربي في الهند، وعند مدخل البحر الأحمر. فيما خصص المؤلف الفصل الخامس للحديث عن المواجهة العمانية للبرتغاليين في شرق إفريقيا، حيث يذكر أولا الأسباب التي جعلت العمانيين يلاحقون البرتغاليين في شرق إفريقيا، ثم أهم الحملات العمانية ضد البرتغاليين في شرق افريقيا، وأخيرا كيفية سقوط قلعة اليسوع في ممباسا عام 1698م، على اعتبار أنها أهم معاقل البرتغاليين في الساحل الشمالي لشرق إفريقيا.

ويذكر المؤلف الهدف من هذه الدراسة الذي يتمثل في توضيح أهم الملابسات التاريخية التي شهدتها عمان خلال فترة وصول البرتغاليين الى المنطقة، وخاصة الوضع السياسي السيئ في عمان خلال فترة حكم بني نبهان، كذلك قيام العمانيين بمقاومة الوجود البرتغالي، والمهم هنا أن تلك المقاومة لم تخبو نارها مع سوء الأوضاع في عمان لاسيما السياسية، بل استمرت منذ مجيئهم وحتى بداية المقاومة المنظمة للبرتغاليين في عهد أئمة اليعاربة أي على مدى قرن ونصف، كذلك توضيح  الدور الكبير للعمانيين في تحرير مناطق الخليج العربي والساحل الغربي للهند والساحل الأفريقي الشرقي من المستعمرين البرتغاليين.

ويشير المؤلف إلى أن المصادر العمانية أغفلت ذكر الوجود البرتغالي في عمان، فلم تأت على ذكر وصول البرتغاليين إلى عمان، كما لم تذكر حالة العمانيين في ظل سيطرتهم عليها، مع أن الوجود البرتغالي في عمان استمر لفترة طويلة من الزمن تقارب القرن والنصف، ثم ما أوردته تلك المصادر عن محاربة العمانيين للبرتغاليين هو مجرد لمحات بسيطة وخاطفة.

من التناحر إلى الوحدة

وفي خاتمة الكتاب يؤكد الباحث أن عُمان كانت منقسمة إلى ممالك متعددة متناحرة فيما بينها، وكان يترأس هذا الأمر ملوك بني نبهان، وهو الأمر الذي سهل وصول مجموعة من القوى الخارجية التي وضعت أيديها على الأراضي العمانية، وهم الفرس وبنو جبر ومملكة هرمز، وقد تزامن هذا الانقسام السياسي في عمان مع وصول البرتغاليين إلى المنطقة، فبعد احتلالهم لمناطق في شرق أفريقيا وصلوا إلى عمان؛ كونها بوابة الخليج العربي لمنع التجارة عن دخول المنطقة تحقيقا لسياسة المضايق، فوجدوا من عمان بسبب انقسامها أرضا سهلة للسيطرة عليها، وكذلك حاولوا بسط  سيطرتهم على مضايق أخرى غير هرمز لاسيما مدخل البحر الأحمر.

ونتيجة لهذا الصراع والتناحر والخلاف يرى الكاتب أن البرتغاليين تمكنوا من السيطرة على الأرض العمانية، وما قدومهم إليها إلا كان مدفوعا بمجموعة من الأسباب، يأتي في مقدمتها السبب الاقتصادي وهو الرغبة في السيطرة على التجارة، ويلعب الموقع الاستراتيجي المهم دورا في كونها منطقة عبور للتجارة الشرقية، فبدأت المدن العمانية تتساقط الواحدة تلو الأخرى في أيدي البرتغاليين، وقد وضحت الروح الصليبية المتعصبة من خلال الوحشية اللامتناهية من قبل البرتغاليين وعلى رأسهم قادتهم أمثال البوكيرك وغيرهم.

ويؤكد المؤلف أنه رغم ذلك الصراع إلا أن العمانيين لم يستكينوا للمستعمر البرتغالي بل تصدوا له منذ البداية ومنذ أن وطئت أقدام البرتغاليين الأرض العمانية، فقد كان العمانيون يدافعون عن أراضيهم، وقد أسهم أمراء مملكة هرمز في ثورات العمانيين، إلا أن تلك الثورات كانت انتفاضات شعبية واضحة، فقد أظهرت الروح الوطنية، كما أن الداخل العماني كان هو الفتيل لإشعال الثورات في الساحل المحتل، وبالتالي فقد تضامن الجميع في تلك الثورات المتلاحقة طيلة فترة وجود المستعمر البرتغالي سواء كانوا حكاما أو زعماء قبائل عمانية، أو عامة العمانيين القريبين من المدن المستعمرة أو بعيدين عنها في الداخل.

وكان الوضع المتأزم في عمان والمتمثل في الانقسامات والمنازعات والمعاملة الوحشية من المستعمر وامتصاص ثروات الوطن وفرض القيود سبيلا للوصول إلى انتفاضة كبرى بقيادة علماء عمان كان نتيجتها اختيار زعيم جديد لعمان وهو ناصر بن مرشد اليعربي ومبايعته بمنصب الإمامة عام 1624م، وهو إيذان ببلوج فجر جديد لعمان، حيث قام بلم الشتات السياسي، ثم حارب المستعمر البرتغالي، حتى انقضى عهده عام 1649م وقد انحسر الوجود البرتغالي في مطرح ومسقط فقط، ليأتي عهد خلفه الإمام سلطان بن سيف الأول، الذي استطاع طرد البرتغاليين وتحرير الأرض العمانية منهم نهائيا عام 1650م.

ويخلص الباحث إلى أن العمانيين واصلوا مسيرة الجهاد الإسلامي ضد المستعمر البرتغالي بقيادة أئمتهم، وقد ضربوا أروع الأمثلة على الاستبسال، وقد استطاع العمانيون مواجهة البرتغاليين في الخليج العربي وساحل الهند الغربي وكذلك عند مدخل البحر الأحمر، وذلك تحقيقا لسياسة الجهاد الإسلامي ودفاعا عن مصالح العمانيين في تلك المناطق، وبطبيعة الحال فإن العمانيين لم يقوموا بهذا العمل إلا بعد أن أعدوا العدة لذلك، حيث ضرب الأسطول العماني أروع الأمثلة في القوة لدرجة باتت تخشاه الأساطيل الأوروبية الموجودة في المنطقة كالإنجليزية والهولندية.

 وقدّم العمانيون مساعداتهم كذلك إلى منطقة شرق أفريقيا التي كانت ترزح أيضا تحت قيود الاستعمار البرتغالي؛ وذلك لسياسة الجهاد الإسلامي أولا، واستجابة لنداءات الاستغاثة التي وصلتهم من شرق أفريقيا ثانيا، وأخيرا بسبب العلاقات الوثيقة التي تربط العمانيين بشعوب الساحل الشرقي الأفريقي، ولذلك فقد قدّم العمانيون مساعداتهم بحملات متتابعة للمدن التي وقعت تحت الاحتلال البرتغالي، وكانت أكبرها تلك الحملة التي دامت ثلاثة وثلاثين شهرا، وانتهت بإسقاط قلعة اليسوع في ممباسا “1696- 1698م”، وبالتالي لم تقم للبرتغاليين بعد ذلك قائمة في المنطقة.

 وأخيرا فقد ضرب العمانيون أروع الأمثلة في الجهاد والاستبسال ومقاومة المستعمر البرتغالي، حيث بذلوا المال والأرواح في سبيل تحقيق ذلك الهدف في الأرض العمانية وخارجها، وحتى في المناطق البعيدة في المحيط الهندي.

ملاحظة: عرض موسع للكتاب في عدد شهر يونيو 2017م

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق